نهــــاد سعيـــد والشهابيــة/تعقيب يولاند بيروتي على ندوة كتاب “فؤاد شهاب ما له وما عليه” تأليف لويس صليبا
المحاضرون في ندوة كتاب “فؤاد شهاب ما له وما عليه”
بداية… أتوجّه بالشكر إلى الصديق العزيز البروفيسور الدكتور لويس صليبا الذي يدعونا من خلال لقاءاته وندواته القيّمة إلى موائد فكريّة وثقافيّة متنوعة تشكّل مهمازاً يدفعنا للتعمّق والتفكير في مواضيع تكاد أن تكون شبه منسيّة في يومنا هذا. شكراً وألف شكر د.لويس وعساك تبقى رائداً في عالم البحث العميق.
لكنني أسمح لنفسي بالتعليق على بعض ما جاء في آخر ندوة لك حول كتابك “فؤاد شهاب، ما له وما عليه”، وذلك ليس من باب النقد بالحري بل من باب الاهتمام في ما تبحث وتقديراً واحتراماً لما تقول.
أولاً: في معرض الحديث عن الشهابية
لم تكن الشهابية وليدة مجموعة من العسكريين عرفوا “بالمكتب الثاني” فقط. هي منبثقة من “الكتلة الدستورية” التي قسمت لبنان إلى صراع ديموقراطي مع “الكتلة الوطنية”. وكان لها في كل قضاء وقرية ومجمّع قروي اتباعها مثل “التضامن الجبيلي” الذي ضمّ شخصيات ووجوه اجتماعية واقتصادية وثقافية بارزة. وقد لعب التضامن المذكور دوراً فاعلاً في وجه الزعامات التقليدية بتشجيع من الرئيس فؤاد شهاب علّه يخلق مجموعة من أصحاب الاختصاصات المختلفة لتقف بوجه أكلة الجبنة أو الfromagistes .
ثانياً: انطون سعيد ودوره الرائد في هذه المجموعة
هو طبيب جرّاح وصاحب مستشفى جعل نفسه في خدمة أبناء قضاء جبيل، يجري العمليات الجراحية بشبه مجانية. توفّي والديون تغرقه، فاضطرّت أرملته النائب نهاد جرمانوس سعيد أن تبيع املاكاً لتسدّد الديون.
ثالثاً: انطون سعيد ومجزرة مزيارة
إثر مجزرة مزيارة انتحى الدكتور انطون بزوجته نهاد قائلاً “أنا رايح مع الدكتور ديب لمعالجة جرحى ومصابي حادثة مزيارة، إذا ما رجعت بعد يومين … بعرفك قويّة وقدّ الحمل”.
علماً بأنّ العديد من الأطباء لم يتجاوبوا مع طلب اللواء شهاب يومها.
رابعاً: 25 أيار 1965
إثر ثلاث عمليات جراحيّة خطفت جرحة قلبية الدكتور أنطون وغيّبه الموت عن عائلته ومحبّيه وأقربائه وناخبيه وعمّت الفاجعة لبنان بأكمله وخاصة قضاء جبيل.
لم يكن قد مضى على نيابته سنة. ووقفت المنطقة عموماً والشهابيون خصوصاً مذهولة مكتوفة الأيدي. وتذكرت الست نهاد قول انطون إثر مجزرة مزيارة وكان عليها أن تختار بين قرارين مصيريين: إمّا أن تبقى أرملة مع ست أولاد أصغرهم في أشهره الأولى، أو أن تتابع مسيرة زوجها السياسية. فاختارت القرار الثاني بتشجيع من الرئيس فؤاد شهاب أوّلاً ومن والد زوجها الدكتور فارس سعيد ثانياً ومجموعة الشهابيين المحيطين بها ثالثاً.
لم توفّق على ثلاث دورات متتالية: 1965- 1968- و1972 لكن ذلك لم يمنعها من استقبال كل معوز أو محتاج أو مظلوم. وظلّ “بيت سعيد” مفتوحاً في قرطبا وبيروت وظلّ مستشفاه يستقبل الجميع، غير مميّز بين موالٍ وخصم سياسي.
وقد علّق على اهتمامها الشديد بأحد المظلومين بأن قال لها المسؤول عن الظلامة: لشو معجوقة فيه يا ستّ… منّو خصمك بالسياسة..!
خامساً: حرب السنتين والخطف
الست نهاد ما ارادت أن تسافر مع عائلتها خارج البلد.
“جهّزت بيت الجبل (قرطبا) للشتوية وسجّلت ولادي بمدارس الضيعة وعانيت مع من عانوا من قلّة الكهرباء والماء..الخ. لكني كنت قريبة من أولاد المنطقة”، تقول الست نهاد. وكنا نتبارى مع العميد ريمون ادّه في مساعدة الناس (خاصة المخطوفين) لدرجة أنّ لقبها كان “الماما” بالنسبة للجميع أخصاماً وموالين للشهابية.
ختاماً تقول الست نهاد: “كنتُ في باريس واتصلتُ بالعميد ريمون إدّه لتعزيته باخته”.
– ولوْ عا التلفون بتعزّيني…؟ يلّا عازمك عالغدا.
إثر الغداء دعاني إلى مكتبة قريبة من الفندق قائلاً: “بعرفك مثقّفة وبتحبي المطالعة…
ثمّ توجّه إلى موظّفة وقال لها: “نحن خصمان سياسيان في لبنان” فابتسمت وأجابت: “عجيب أمركم… تتخاصمون في بلدكم وتتفقون عندنا”.
بالنهاية الكتلويون والشهابيون احترما قواعد الصراع الديموقراطي. فهل نتّعظ اليوم منهم ونذكرهم بالخير ففي حياة للبنان الذي نريده ونحلم به.
يولاند بيروتي
قرطبا في 11/3/2025