كلمة الأستاذ المشرف لويس صليبا على رسالة “وثيقة الأخوّة الإنسانية” للطالب الأب فراس لطفي في جلسة مناقشة هذه الرسالة في الكلّية الجامعية للاعنف، الجمّيزة، بيروت، الجمعة 25 أيلول 2026

كلمة الأستاذ المشرف لويس صليبا على رسالة “وثيقة الأخوّة الإنسانية” للطالب الأب فراس لطفي في جلسة مناقشة هذه الرسالة في الكلّية الجامعية للاعنف، الجمّيزة، بيروت، الجمعة 25 أيلول 2026

 

عندما عرضَ عليّ الطالب الأب فراس لطفي مشروعَ رسالتِهِ للماستر وموضوعها “وثيقة الأخوّة الإنسانية” فأوّل ما تبادر إلى ذهني إشكاليّاتٌ واجهتُها خلال دراستي لهذه الوثيقة في مصنّف صدر لي في آب 2021، وعنوانه “المسيحية والإسلام بين الأمس واليوم: بحث في تطوّر العلاقات بينهما من يوحنا الدمشقي إلى وثيقة الأخوّة”.

ولم يتِحْ لي ضيقُ الوقت وشحُّ المصادر يومها تقديم إجابات وافية لعددٍ من هذه الإشكاليات، فبقي موضوعُها عالقاً، وهي تتمحورُ حول العناوين التالية:

1-نصّ الوثيقة نفسُه: كيف نشأ؟ ومن الذي عمِلَ على وضعه؟ وكيف تَمَّ التوافقُ عليه بين الفريقَين المسيحي والمسلم الموقّعَين على الوثيقة؟

2-وضعُ المرأة في الوثيقة وخلفيّات ما اكتنَفه من التباس!!

3-إشكالية موقف شيخ الأزهر أحمد الطيّب نفسِه المتأرجح بين الفكر التقليدي وروحية الوثيقة.

4-موقف الفريق الشيعي من الوثيقة لا سيما بعد زيارة البابا فرنسيس إلى النجف، ولقاء القمّة الذي جمعه بالسيد علي السيستاني في 6 أذار 2021.

5-إشكالية دور لبنان المفقود كمحور أساسي في الحوار المسيحي الإسلامي، وهل سلبَتْه الإمارات فعلاً هذا الدور؟

وإذ كنتُ لم أقرأ حتى يومِها أي أيلول 2025 بحثاً يقدّمُ إجابات واضحة وحاسمة عن هذه الإشكاليات البارزة خطر لي أنّ أنجعَ طريقة وأسلم منهجية للعثور على إجابات مُرضية ومُقنعة لهذه الأسئلة يبقى في استفتاء مجموعةٍ من أهل الاختصاص في الموضوع من مفكّرين ورجال دين مسيحيين ومسلمين كان لهم إسهامٌ ما في ظهور هذه الوثيقة أو في العمل على نشرها ودراستها. وذلك عبر مقابلات مفتوحة Open Interviews يتمُّ فيها محاورتُهم وطرحُ هذه الأسئلة وكلّ ما يمتُّ إلى الوثيقة بصلةٍ من قريبٍ أو بعيد.

وكنتُ قد جرّبتُ منهجيةَ المقابلات المفتوحة هذه في مصنّفٍ لي واكب التحضيرات التي آلت إلى توقيع الوثيقة، وحاور 16 شخصية فكرية ودينية مسيحية وإسلامية وصدر مطلع العام 2020 بعنوان “حوار الأديان في العالم العربي: المسيحية والإسلام تاريخاً ومستقبلاً ومعتقدات وعلاقات في الفكر العربي المعاصر”.

كما كنتُ ممّن تابعَ وأشرفَ على أطروحةٍ في الجامعة اليسوعية نوقشت سنة 2017، وعنوانها “ثقافة الاختلاف في الإسلام”، وقد اعتمدَت بالأخصّ على منهجية المقابلات المفتوحة.

وإنّني لمسرور وفخور بأن جهودَ الطالب الأب فراس لطفي في هذه الرسالة، ومن خلال المقابلات المفتوحة، قد أفضت بالنتيجة إلى تقديم إجابات واضحة عن هذه الإشكاليّات التي بقيت زمناً عالقة.

1-فبالنسبة إلى السؤال الأوّل أي كيفيّة نشأة نصّ الوثيقة وأبرز العاملين على وضعه، فقد حملت المقابلتان مع المطران باولو مارتينلّي النائب الرسولي لجنوب شبه الجزيرة العربية والمونسنيور يؤانّس لحظي السكرتير الشخصي للبابا فرنسيس أجوبةً وافية عليه.

يقول المطران مارتينلّي في ذلك: “إن مسار إعداد هذه الوثيقة وصياغتها، لم يخضع للإجراءات المؤسسيّة المعتادة التي تُعتمد في إعداد وثائق الكرسي الرسولي، بل يبدو أنه كان ثمرة علاقة صداقة وثيقة وثقة متبادلة نشأت بين البابا فرنسيس والإمام أحمد الطيّب”. (ص148)

في حين يذهب المونسنيور لحظي إلى أبعد من ذلك، فيؤكّد من ناحيته: ” تميّز العمل على إعداد الوثيقة بالتواضع التام والسرية، بعيداً عن أضواء الإعلام. حيث تكوَّنَ فريقُ عملٍ مصغّر ومحلّ ثقة من الجانبين، يضمُّ فقط شخصين، يعملان بروح المسؤولية ويرجعان في كل شيء مباشرة لقداسة البابا فرنسيس وفضيلة الإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب. وقد تشرّفتُ بالقيامِ بهذا الدور بتكليفٍ مباشر من قداسة البابا كممثل لقداسته وللفاتيكان، ومن طرف الأزهر كان سيادة المستشار السابق لشيخ الأزهر السيد محمد عبد السلام. كان هذا العمل هو صياغة نصّ يعبّر عن جوهر الإيمان والمواطنة والكرامة الإنسانية، وقد تمّت مراجعةُ كل كلمة فيه بدقة ومحبة عالية”. (ص151)

وفي المقابلة مع المونسنيور لحظي المزيد من المعطيات البالغة الأهمّية عن تفاصيل نشأة نصّ الوثيقة والمراجعات والتدقيقات والتصحيحات التي أدخلها كلّ من البابا وشيخ الأزهر ممّا يوضح الكثير ممّا ظهرَ في سطور هذه الوثيقة وممّا استترَ بين السطور. وكلّ ذلك ممّا يحتاجُه أيُّ باحثٍ في قراءته وتحليله لهذه الوثيقة/الحدث وحيثيّاتها.

2-وبما يتعلّق بوضع المرأة في الوثيقة كانت انتقادات د. وجيه قانصو في محلّها، وممّا قاله في هذا الصدد: “لا يمكنُنا القول إن الرجل والمرأة كائنان مختلفان فقط (بيولوجيًّا وغير ذلك)، بل متساويان. أجد أنّ الوثيقة قد التفَّت نوعًا ما. لماذا لم تقُلْ الوثيقة بالمساواة الكاملة بين الرجل والمرأة؟” (ص75).

وكم تمنّيتُ على الطالب الأب لطفي أن يحلّل ويعلّق ويعقّب على طروحات قانصو المهمّة في هذا المجال لا سيما في الفصل الذي عنوَنَه: “مناقشة المقابلات”، وذلك لمزيد من الفائدة. أو أقلّه أن يسأل سائر المحاوَرين كالمونسنيور يؤانّس عن هذه النقطة.

3-بالنسبة إلى موقف شيخ الأزهر الإمام الطيّب المتأرجح بين التقليد وروحية الوثيقة وجّه الباحثان الأكاديميان قانصو وعيسى دياب انتقادات صارمة وجديرة بالتفكّر في هذا المجال. يقول قانصو: ” حتى الآن الشيخ أحمد الطيّب هو أكبر المدافعين عن الإسلام التقليديّ، أي ما يزال يخشى فكرة التجديد أو التحديث. فكيف يمكن أن يدعو ويوقّع على هذه القِيَم الواردة في الوثيقة، وهو مايزال يدافع عن القيَم التقليديّة؟” (ص71).

أما القس د. عيسى دياب فيذهب إلى أبعد من ذلك، إذ يشكّك ضمناً بمصداقية شيخ الأزهر أحمد الطيّب فيقول: “إسأل شيوخ الإسلام إن كانوا يقبلون بمضمون الوثيقة؟ طُلب من الأزهر أن يُصدرَ فتوى أنّ داعش ليست مسلمة. لكنّه رفض لأنهم يؤدّون الشهادة. ما هو الإسلام بالنتيجة، إسلام هذه الوثيقة أم إسلام داعش؟” (ص86)

ما لم يقلْه دياب صراحة هنا هو أن شيخ الأزهر الطيّب هو تحديداً من رفض إصدار الفتوى المذكورة بشأن داعش!! فكيف نفهم هذا الموقف المتذبذب بين الداعشية والوثيقة؟!

ويمضي دياب قُدماً في نقده الصارم فيعرّض صراحة بالوثيقة، ويرى أنّها أقرب إلى حبرٍ على ورق، يقول خاتماً مداخلته: “للأسف أجدُ الوثيقة مثاليّة بعيدة عن الواقع. لي أصدقاء في مصر ما زالوا يتعرّضون لاضطهاد وضغوط لتغيير دينهم. والأزهر ما زال يكفّر الشيعة حتى الآن”. (ص86).

فهذا التفنيد الجريء والموثّق والواقعي في آن لموقف شيخ الأزهر المتذبذب بين موقعين جديرٌ بأن يُطرحَ على بساط البحث لجلاء لُبسه وغموضه.

4-وبشأن الموقف الشيعي من الوثيقة فقد أجمعت آراء الذين سُئلوا في الموضوع أي قانصو ونبها والبعّاج وعماد الهلالي على أن لقاء النجف في 6 أذار 2021 بين البابا فرنسيس والسيد السيستاني لا يمكن أن يُعتبر انضماماً شيعيّاً رسمياً إلى الوثيقة. ويبقى ما قاله د. عماد الهلالي جريئاً جدّاً، وقد استطاع كشفَ النقاب عن القُطبة المخفية في هذا الموضوع إذ قال: “يوجد صراع تاريخي بين حوزتي قُم والنجف. وكل واحدة تسعى لانتزاع الصدارة والسلطة من الأخرى. في إيران كانوا مُمتعضين جدًا من هذه الزيارة. ليس بسبب اللقاء الذي تمّ بين البابا والسيستاني، بل لماذا تمَّ في حوزة النجف التي سرقت الأضواء من حوزة قُمّ المدعومة من الدولة الإيرانية”. (ص104).

لقد تخطّى الهلالي التقيّة المعهودة، ووضع الإصبعَ على الجرح في هذه المسألة التي لفّها الغموض، ممّا لم نقرأ عنه في ما كُتب من تحليلاتٍ أخرى!

5-وبما يتعلّق بدور لبنان المفقود، هل كانت زيارة البابا لاون14 بمثابة جائزة ترضية عن دور انتُزعَ من موطن الأرز؟

هذه الإشكالية كانت وراء المبحث المطوّل الذي خُصّت به هذه الزيارة في هذه الدراسة، وإن كانت الأجوبة عنها غير حاسمة.

والخلاصة فلهذه الأسباب، ولما قدّمَتْه دراسة الأب فراس من إجابات مهمّة وتتّصف غالباً بطابع الجُدّة يمكننا أن نعتبر، ومن دون مجاملة، أنّه وُفّق في الوصول إلى نتائج حاسمة ومهمّة عديدة.

وككلّ عملٍ بشري يمكن أن تُوجّه إليه ملاحظات أو حتى انتقادات عديدة.

وأكتفي بثلاثة منها.

1-هذه الرسالة تفتقر عموماً إلى التحليل والمألفة Synthèse. وتكتفي بالسرد كما في مبحث زيارة البابا لاون 14 إلى لبنان، وكذلك وبالأخصّ كما في فصل2: مناقشة المقابلات (ص155-179) فهو في الحقيقة مجرّد إعادة صياغة أو بالحري تكرار Paraphrase للآراء الواردة في المقابلات، وليس تحليلاً أو مناقشة لها، وفيه الكثير من الثرثرة وما يسمّى الفائض من الكلام أي كم غير قليل من الكلام كان بالإمكان الاستغناء عنه لعدم الحاجة الضرورية إليه. فهو مثلاً يكرّر حرفيّاً ما قالته نايلة أبي نادر عن آيات السيف نقلاً عن محمّد أركون (ص163) دون أي تحليل أو إضافة.

2-كثيراً ما لم يعنَ الطالب بالتحضير للمقابلات والحوارات كما يجب. وأكتفي هنا بمثل واحد:

سماحة آية الله أحمد مبلّغي وهو شخصية دينية وفكرية جدّ مرموقة في إيران، وهو عضو مجلس خبراء القيادة الذي ينتخب قائد الثورة. وقد وافق على محاورة الأب فراس، فأرسل له هذا الأخير رسالةً مكتوبة جاء في مطلعِها ما يلي: “سماحة آية الله مبتغي أشكرُكم جزيل إلخ”

وبعد أن أرسلَ هذه الرسالة بعث لي بنسخة منها، فطار صوابي، وصحّحتُ له الاسم. ثم عاد وأرسل له رسالة صوتية مستهلّة كما يلي: “سماحة آية الله مكمّلي”.

هذا علماً أنّه سبق لي أن عرّفته بهذه الشخصية وزوّدته بأحد مؤلّفاتي وفيه نبذة وافية عن آية الله مبلّغي.

وأكتفي هنا تنبيهاً له بذكر ما قاله عالم النفس والطبيب الفرنسي دافيد سرفان شرايبر في هذا المجال: “ينبغي الحرص على أن يكون الشخص الذي نحاوره في وضعٍ مريح منذ الكلمات الأولى. ينبغي العمل على أن نفتحَ أذنيه لا أن نقفلهما. فهل تعلمون ما هي الكلمة الأكثر عذوبة في اللغة كلّها التي تصلُح للبدء بالحوار: إنها اسم الشخص الذي تتوجّهون إليه”. Guérir, p216

وممّا سبق يمكننا أن نفهمَ لماذا أحجمَ آية الله مبلّغي عن محاورة الأب فراس!

3-في الفصل الذي يدرس الطالب فيه اللاعنف ووثيقة الأخوّة (الباب الرابع) وفي المقدّمة كذلك (ص15) يذكر الطالب روّاد اللاعنف، فيسمّي ثورو وتولستوي وغاندي ومارتن لوثر كينغ. وأذكر حواراً دار بيني وبين الأب فراس في بدايات عملنا المشترك، وإثر قراءتي هذا المقطع، سألته فيه:

-هل تعرف أن غوتاما بوذا وتلميذه الأمبراطور أشوكا هما روّاد اللاعنف العالميين اللذان استوحَ منهما غاندي وغيره. وأن القاعدة التي سنّها بوذا لا تزال شعار العاملين على نشر اللاعنف والمبشّرين به، وهي تقول:

لا يهدأ عنفٌ بالعنف، إنما باللاعنف يهدأ العنف، هذا قانون أبدي.

فأجابني الأب فراس:

-لم يُذكر لنا ذلك بتاتاً طيلة دراستنا الجامعية.

هذا الحوار نقلتُه بحرفيّته في مؤتمر دولي عن اللاعنف كنتُ فيه الوحيد من منطقةِ الشرق الأوسط، فأثار ردود فعلٍ عديدة، أكتفي بذكر ثلاثة منها:

الحكيمة البريطانية ومساعدة الدلاي لاما تنزين بالمو Tenzin Palmo قالت:

-أستطيع أن أفهمَ الآن لماذا نجد الدهارما غائبة في هذه المنطقة من العالم.

العالِم الفرنسي الطبيب والكاتب جاك فينيو Jacques Vigne قال معلّقاً:

-هذه الدراسة المذكورة كمن يدرس المسيحية دون أن يأتي على ذكر المسيح.

عالمة النفس Anne-Sophie Cuq: قالت:

-لا يمكن أن نفهم أو نعلّم اللاعنف اليوم متجاهلين علم نفس الصدمات Psychologie du traumatisme الذي يستوحي الكثير من علاجاته من تعاليم بوذا والبوذية.

وختاماً فليست ملاحظاتي هذه إلا لتحسين الأداء، وليس من شأنها بتاتاً أن تنتقصَ من أهمّية الدراسة القيّمة للأب فراس، لا سيما وأنّي أفدتُ منها الكثير. لذا أتمنّى له أن يمضي قدماً في المجال الأكاديمي داعياً له بالتوفيق.

شاهد أيضاً

डर: भावनाओं की रानी और इसके विभिन्न मुखौटे / ज़ूम पर ल्विस सलीबा द्वारा व्याख्यान, बुधवार, 18 जून, 2025

डर: भावनाओं की रानी और इसके विभिन्न मुखौटे / ज़ूम पर ल्विस सलीबा द्वारा व्याख्यान, …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *