مكتبة الدراسات الأمنية، بقلم أ. م. لويس صليبا، مجلة الدراسات الأمنية، عدد نيسان 2026
“مكتبة الأمن” كانت زاوية ثابتة في مجلّة الأمن، وذلك طيلة الفترة الممتدّة من 2016 إلى 2025. وفيها تمّت مراجعة مئات الكتب الصادرة حديثاً في بيروت. ولمّا كانت “مجلّة الدراسات الأمنية” مجلّة محكّمة صادرة عن مجلّة الأمن، وتحتاج بالتالي إلى زاوية “مراجعات كتب” كما هي حال كلّ المجلّات المحكّمة الأخرى، فقد ارتُئي نقل هذه الزاوية إلى “مجلّة الدراسات الأمنية” المحكّمة، ليصير اسمها “مكتبة الدراسات الأمنية”، ما يسمح بمزيد من التعمّق والتبسّط في المراجعات.
1-خلاصة الخلاصة اللاهوتية
خلاصة الخلاصة اللاهوتية للقديس توما الأكويني (ت1274): الخلاصة اللاهوتية في سؤال وجواب، تأليف العلّامة الأب توما بيغ Pègues، ترجمة الأباتي سمعان النجار، صدر في بيروت في طبعة جديدة 2026، مع دراسة، في 570ص.
عودة إلى الأكويني مع البابا لاون 14
مع بداية حبرية قداسة البابا لاون 14، يعود القدّيس توما الأكويني إلى واجهة الاهتمام. ذلك أن هذا البابا اتّخذ هذا الاسم (لاون 14) تيمّناً بسلفه لاون 13 (1878-1903) وسيراً على خطاه. فقد خصّ لاوُن الثالث عشر منذ جلوسه على كرسي القدّيس بطرس فلسفة القديس توما باهتمام كبير ومتواصل. إذ كانت برأيه هي الكفيلة بمواجهة الشيوعية والرأسمالية في آن. وكانت أولى ثمار اهتمامه بالفلسفة التوماوية رسالته العامّة في 04/08/1879 وقد اعتبر فيها القدّيس توما معلّم معلّمي الكنيسة وأميرهم جميعاً. مَن جمع أشتات تعاليمهم في جسم واحد، ونسّقها في نظام عجيب. وحثّ لاوُن الثالث عشر في رسالته العامّة هذه على إحياء حكمة الأكويني ونشرها وتجديدها. فكانت الرسالة المذكورة نقطة انطلاق المدرسة التوماويّة في الزمن المعاصر، وتجديدها بما يتلاءم مع تطوّرات العصر. وعمل عدد من الكرادلة والفلاسفة والمفكّرين في مشروع إحياء الفلسفة التوماويّة بتوجيه من البابا لاوُن الثالث عشر وببركة منه. ومن بينهم الكاردينال مرسييه الذي أسّس مركزاً للأبحاث التوماويّة في جامعة لوڤان بلجيكا. والمطران بولس عوّاد الماروني الذي نقل الخلاصة اللاهوتيّة إلى العربيّة وغيرهما. وفي رسالة عامّة أخرى Gravissimo officio تحدّث لاوُن الثالث عشر عن الخلاصة اللاهوتيّة للأكويني فقال: «الخلاصة اللاهوتيّة حَوَت بداخلها كل ما أمكن الحُكماء أن يفكّروا به في مجالَي العقل والإيمان. وفيها نجد النقاط الأساسيّة ومصادر هذه العقيدة الفائقة السمو بين العقائد والتي ندعوها اللاهوت المسيحي”
لاون 13 يطلب تعريب الخلاصة اللاهوتية
وأمر البابا لاوُن الثالث عشر بإصدار طبعة جديدة محقّقة للمؤلّفات الكاملة للأكويني. فنشرت في روما في 15 مجلّد بين عامَي 1882 و 1930. وعرفت بالطبعة اللاوُنيّة نسبة إليه”. (صليبا، لويس، قاموس الفلسفة المسيحية، ط4، 2026، ص341-342).
والبابا لاون 13 هو الذي طلب من الخوري بولس عوّاد أن يعرّب الخلاصة اللاهوتية، وهذا ما رويناه ووثّقناه في دراسة سابقة، حيث قلنا:. أتاحت للأب بولس عوّاد وظيفته في القصادة الرسوليّة، ورحلاته إلى روما أن يكون على علاقة مباشرة بالبابا لاوُن الثالث عشر (1878 – 1903). فشمله هذا الأخير بعطفه، وكلّفه بعدد من المهمّات، وأثناء قيامه بمهمّاته في القصادة الرسوليّة بدأ بترجمة الخلاصة اللاهوتيّة للقدّيس توما. بإشارة من قداسة البابا. فَسُرّ هذا الأخير بعمله هذا وشجّعه على المضي فيه. وأمر أن يُطبع المجلّدان الأوّلان من ترجمة الخلاصة على نفقة الكرسي الرسولي. وترجمة الخلاصة اللاهوتيّة في تلك الحقبة كانت حلقة من جهود الكنيسة الكاثوليكية وحبرها الأعظم لاوُن الثالث عشر ونشاطها لنشر لاهوت الأكويني وفلسفته في العالم المسيحي. وقد بلغ من رضى الحبر الأعظم عليه أن أوعز بترقيته إلى الرتبة الأسقفيّة”. (صليبا، لويس، من تاريخ الفلسفة المسيحية في أرض الإسلام، ط3، 2026، ص95-96).
بيد أن ترجمة المطران بولس عوّاد للخلاصة اللاهوتية بقيت غير مكتملة، ولم تتجاوز خِمسي النصّ أي 40% منه كما يؤكّد الفيلسوف التوماوي العربي يوسف كرم. (صليبا، لويس، من تاريخ، م. س، ص103). وكما تأكّد لنا من مراجعة الجزء الخامس والأخير من ترجمة المطران عوّاد.
الأباتي سمعان النجّار يعرّب خلاصة الخلاصة
ومن هنا جاء عمل الأباتي سمعان النجّار (1885-1948)، إلى حدّ ما، بمثابة تكملة لما بدأه المطران عوّاد وتوقّف عن إتمامه، إذ ترجم إلى العربية “خلاصة الخلاصة اللاهوتية، أو الخلاصة اللاهوتية في سؤالٍ وجواب” لأستاذه في اللاهوت العلّامة الأب توما بيغ Pègues (1866-1936)، إنّه كتاب تعليم الخلاصة اللاهوتيّة Cathéchisme de la Somme théologique وهو مختصر للخلاصة وضعه بالفرنسيّة الفيلسوف التوماوي الراهب الدومنيكي الأب توماس ﭘـيغ Thomas Pègues. وقد حاز هذا الكتاب على رضى البابا بندكتس الخامس عشر (1915 – 1922) واستحسانه. فقرّظه في رسالة له إلى المؤلّف نشرت في طبعة الكتاب 1919. ويقدّم الكتاب عرضاً موجزاً للخلاصة وفق أسلوب التعليم المسيحي Cathéchisme Chrétien في سؤال وجواب.
طبعت هذه الترجمة في بيروت، في مطبعة جورج عقل عام 1938 في 548ص، وجاء في صفحة العنوان ما يلي :”الخلاصة اللاهوتية مفرغة في قالب سؤال جواب لجميع المؤمنين”. (صليبا، لويس، من تاريخ، م. س، ص199-200).
وقد فُقد هذا السِفر النفيس وافتُقد منذ زمنٍ بعيد، وها هو اليوم قد أعيد طبعُه تلبية لحاجة ماسّة عبّر عنها الباحثون العرب والمهتمّون بالشأن الديني واللاهوت عموماً، وتحيّة لهذا الحبر (لاون 14) الذي يولي الفلسفة التوماوية عناية خاصّة، وهو الذي أحبّ لبنان وخصّه بأوّل سَفرةٍ له قام بها إلى الخارج.
البابا بنديكتوس 15 يقرّظ خلاصة الخلاصة
ولمّا كان المعرّب الأباتي سمعان النجّار لم يضمِّن ترجمته لخلاصة الخلاصة نصّ المنشور البابوي الذي توّجت الطبعة الأصلية الثانية من الكتاب (ط1: 1918، ط2: 1919) فقد عمدنا إلى تعريب هذا النصّ وقد جاء كما يلي:
منشور بابوي من البابا بنديكتوس الخامس عشر
إلى ولدنا العزيز توماس بيغ، من رهبنة الوعاظ
ولدنا العزيز،
سلامٌ عليكم مرفقٌ بالبركة الرسولية.
«إن المدائح الباهرة والاستثنائيّة التي كالها الكرسي الرسولي للقدّيس توما الأكويني، لا تسمح بتاتاً لأي كاثوليكي بأن يشكّ في أن يكون هذا المِلْفان ملهَماً من الله ليكون للكنيسة معلّماً للعقيدة تتبعُه على أكمل وجه في كل زمان. وعلاوة على ذلك، بدا من المناسب أن تكون حكمة هذا العلّامة الفريدة متاحة مباشرة ليس فقط لرجال الدين، بل أيضاً لكلّ من يسعى إلى دراسة الدين على نحو متقدّم، أياً كان، بل وحتى لعامّة الناس: فالطبيعة تقتضي أنّه كلّما اقتربنا من النور، أصبحنا أكثر استنارة. لذا، فأنتم تستحقّون كل الثناء، إذ شرعتم في شرح العمل الرئيسي للمعلم الملائكي، “الخلاصة اللاهوتية”، من خلال تعليق حرفي باللغة الفرنسية، وتُظهر المجلّدات المنشورة بالفعل نجاح مشروعكم، وقد نشرتم مؤخّرًا الخلاصة عينها في صورة كتاب تعليمي. وبهذا، فقد نجحتم في تكييف ثروات هذا العبقري العظيم مع احتياجات غير المتخصّصين كما مع احتياجات المتخصّصين، مقدّمين، بإيجاز ووضوح، وبنفس الترتيب الواضح، كلّ ما شرحه هو نفسه بمزيد من التفصيل. ونحن، بكل تأكيد، نهنّئكم على ثمرة هذا الجهد الدؤوب والدراسة المتواصلة، والتي يُمكننا من خلالها الإقرار بمعرفتكم الواسعة وفهمكم العميق للعقيدة التوماوية؛ ونتمنّى، كما يُلهمكم حبّكم للكنيسة المقدسة، أن يُفيد هذا العمل أكبر عدد ممكن من الناس للتعرّف بعمق على العقيدة المسيحية. وكعربون للنعمة الإلهية، وشهادة على محبّتنا الخاصّة، نمنحكم بكلّ حنوّ، يا ولدنا الحبيب، أنتم وتلامذتكم، البركة الرسولية.
صدر في روما، قرب كاتدرائية القديس بطرس، في 5 شباط 1919، في السنة الخامسة من حبريّتنا. بنديكتوس الخامس عشر، البابا.
ولنلحظ عبارات البابا بنديكتوس 15 في منشوره هذا، فهي تبدو مدروسة بدقّة ومختارة ومعبّرة. ” مِلفان ملهَم من الله” suscité par Dieu، “ليكون للكنيسة معلّماً للعقيدة تتبعه على أكمل وجه في كل زمان”.
الأكويني “معلّم معلّمي الكنيسة” Docteurs des Docteurs de l’Eglise، ومعلّم العقيدة الذي تتبعه في كلّ زمن.
ولا تحتاج هذه العبارات البابوية الواضحة والدقيقة إلى مزيدٍ من الشرح والتوضيح. وعمل الأب بييغ في خلاصة الخلاصة ” وفي الشرح الموسّع لها والذي اعتبره البابا بنديكتوس 15 مشروعاً ناجحاً، كلّ ذلك قد أفلح في تكييف ثروات الأكويني اللاهوتي والفيلسوف مع حاجات المتخصّصين وغير المتخصّصين. أي أنّه جعل الفلسفة التوماويّة، وهي لاهوت الكنيسة الكاثوليكية وعقيدتها كما يؤكّد بنديكتوس 15، بمتناول الجميع، وبلغة عصرية ومعاصرة لا يعصى فهمها على إنسان اليوم.
خلاصة الخلاصة تحوي زُبدة الخلاصة اللاهوتية
ويؤكّد المؤلّف اللاهوتي الأب بيغ من ناحيته أن كتابه يحوي خلاصة وجوهر خلاصة الأكويني، فيقول في مقدّمته (ص10): “إن المطالِع يجد في هذا الكتيّب أخصّ وأهمّ ما يوجد في الخلاصة اللاهوتية، لكوننا لم نُهمل فيه ولا مسألة جوهرية ممّا يظهر لنا أنّه ضروري لتقريب تعليمها الساطع الدلالة إلى أفهام الجميع”.
ويتابع المؤلّف الأب بيغ، فيشرح ويبرّر خياره في صياغة مصنّفه النفيس هذا بصيغة السؤال والجواب، وذلك لمزيد من التبسيط والتدقيق والتنبيه والتقريب إلى الأفهام، فيقول (ص10): “ولكي نجعل مطالعته أسهل مراساً وأعلق بالعقل وآخذ بمجامع القلب، أحببنا أن نسكبه في قالب السؤال والجواب، إذ إن هذه الطريقة هي ولا ريب أسدّ منهج للبلوغ إلى جميع الأذهان”.
طريقة السؤال والجواب على نهج أفلاطون في الحوارات
الحوار الفكري والفلسفي عبر طرح الأسئلة ومناقشة الأجوبة والمجيب، واستنباط أسئلة جديدة واستخراجها من الجواب لمتابعة الحوار وتوجيه النقاش طريقة عريقة القِدم في الفلسفة، وهي الأساس في الأطروحات الجامعية والأكاديمية، فهي بمجملها تنطلق من طرح إشكاليّات Problématiqus معيّنة، ومن هنا تسميتها “أطروحة” والإشكالية هي ببساطة أسئلة وتساؤلات يثيرها البحث. وفي الحديث الشريف: {حُسنُ السؤال نصفُ العلم} (صليبا، لويس، حوار الأديان وعلومها في العالم العربي، ط1، 2025، ص4). وفي حديث شريف آخر: {العلم خزائن مفاتيحها السؤال، فاسألوا رحمكم الله}([1]). وجاء في آيات الذكر الحكيم: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} (النحل/43).
والمؤلّف الأب بيغ يستوحي خياره المنهجي في اعتماد صيغة السؤال والجواب من أقدم ما وصلنا من نصوص فلسفية وفكرية في هذا المجال، ألا وهي محاورات أفلاطون، وفيها يتمحور دور سقراط ويكاد ينحصر في طرح الأسئلة، واستنباط أسئلة جديدة ومركّزة من الإجابات، يقول متابعاً (ص10): “أوليست هذه الطريقة هي أكمل تحقيق لما أمكن أن يُسمّى بالتعليم السقراطي القائم بالسؤال التدريجي المنسّق الذي ينبّه الذهن ويؤدّي به شيئاً فشيئاً إلى أسمى درجات العلم. وهي أيضاً التحقيق الكامل للمحاورة الأفلاطونية التي بها يطرح عقل المخاطَب مسائل جديدة بعد ما ينبّهه عقل المتكلّم ويذوق العقلان كلاهما المتغذّيان بقوت الحقيقة لذّة أبهج مجالسة على ضرب من المأدبة الإلهية”.
الأباتي النجّار تلميذ العلّامة بيغ
أمّا المعرّب الأباتي سمعان النجّار، فيؤكّد من ناحيته أوّلاً على أهمّية هذا السِفر ومركزيّته وخطورته في مجال اللاهوت المسيحي والفلسفة عموماً، فيقول في مقدّمته (ص5-6): “غير أن هذا الكتاب هو كما يُرى من مطالعته أغزر الكتب مادّة، وأسدّها منهجاً، وأجزلها فائدة، وقد اختصر فيه المصنِّف ذلك المؤلَّف الذي أجمع العلماء المحقّقون على أنّه أبدع ما ولّد العقل البشري وجعله لخدمة الدين، والذي خصّته الكنيسة باختيارها له ليكون في معاهدها العلمية متن الدروس. وهو كتاب (الخلاصة اللاهوتية) للقدّيس توما الأكويني الملقّب بالأستاذ الملائكي وشمس المدارس والموصوف بأنّه أقدس العلماء وأعلم القدّيسين”.
ويذكر الأباتي النجّار معلومة شخصية مهمّة في هذا السياق، فقد تتلمذ على المؤلّف الأب بيغ في اللاهوت في روما. وهذا التتلمُذ من شأنه أن يتيح له فهماً دقيقاً وواضحاً لفكر معلّمه الملفان وعبارته، أو طريقة تعبيره عن فكره، يقول النجّار (ص5-6): “اللاهوتي الكبير المشهور بمؤلّفاته الجليلة الأب توما بيغ من رهبانية الإخوة الواعظين هو أحد أساتذتنا الأفاضل الذين تلقّينا عنهم علم اللاهوت في مدرستهم الحبرية بروما”.
ميّزات خلاصة الخلاصة وأهداف تعريبها
ويتابع الأباتي النجّار، فيذكر هدف أستاذه بيغ من تصنيف كتابه، وطريقته في التأليف، والنهج الذي اختطّه لنفسه في وضع سِفره وتدبيجه، فيقول (ص10): “إن معلّمنا المفضال شاء أن ينشر تعليم القدّيس توما بين جميع المؤمنين (…) فلخّص في هذا الكتاب أهمّ مباحث خلاصته، وتوخّى في ذلك أسهل وأقرب سبيل لتقريبها إلى الأفهام، فسبك التلخيص في قالب السؤال والجواب، فجاء سفراً مُدمج التأليف متتابع النسق، محكم التعاريف، مشتملاً، مع اختصاره، على مسائل تخلو منها الكتب المطوّلة في هذا الموضوع”.
ويواصل الأباتي النجّار، فيذكر أن كتاب “خلاصة الخلاصة” قد تُرجم إلى أكثر اللغات الأوروبية، وعرف رواجاً ملحوظاً بين القرّاء الغربيين، وهذا ما حفزه على نقل مأثرة معلّمه اللاهوتي الفاضل إلى العربية وذلك كي لا يُحرم أبناء هذا اللسان من مرجع، أو بالأحرى مصدر عميم الفائدة كهذا، يقول (ص6): “ولمّا كان في ديارنا المشرقية من إخوتنا من يجهلون اللسان الأعجمي، فلا يتسنّى لهم قراءة هذا الكتاب، وإدراك الغاية الشريفة التي قصدها المؤلّف من نشره، عقدتُ النيّة على أن أستخرجه إلى اللغة العربية، حرصاً على ذلك الخير العظيم أن يفوتهم”.
وهنا يذكر المترجم معلومةً تُظهر مدى احتفاله وتكرّسه لتعريب هذا السفر، فيقول (ص6-7): “فصرفتُ النظر عن إتمام كتاب في الفلسفة كنتُ شارعاً في تأليفه، وأقبلتُ بعون الله تعالى على الترجمة محافظاً على نصّ المصنِّف مع مراعاة الأساليب العربية الصريحة”.
فأن يترك كاتبٌ مصنّفاً كان بصدد تأليفه، لينصرف إلى ترجمة كتاب لمؤلّف آخر، فهو خيارٌ ليس بيسير، وهو يبيّن عمق قناعته بأولويّة وأهمّية الكتاب الذي سيترجمه.
ويختم المترجم مقدّمته بالإشارة إلى أن مقاصده من هذا العمل ثلاثة:
1-المساهمة في نشر لاهوت القدّيس توما وفلسفته.
2-الإقرار بفضل أستاذه العلّامة توما بيغ والاعتراف بجميله عليه.
3-خدمة القارئ والمؤمنين العرب بتعريفهم بلاهوت وفلسفة القديس توما الأكويني.
اليهود ومسألة صلب المسيح
وفي جولةٍ بانورامية وتحليلية على مضامين هذا السِفر القيّم، نبدأ بالقسم الثالث والأخير منه، وعنوانه: “يسوع المسيح أو الطريق لرجوع الإنسان إلى الله”. فنقرأ في مستهلّه في تعريف الأكويني بالمسيح (3/1، ص368): “عاش عيشتنا الفانية، وبشّر بالإنجيل في فلسطين الشعب اليهودي الذي كان مرسلاً إليه من لدن أبيه. فأنكره هذا الشعب، وغدر به، ودفعه إلى الوالي الروماني بيلاطوس البنطي، وحكم عليه وأماته على صليب”.
يمكن أن نفهم من هذا النصّ الموجز والواضح لماذا يوصم الأكويني اليوم وفي أوساط عديدة في الغرب بتهمة “معاداة الساميّة” Antisémitisme. وما عُرف بـ”قرار التبرئة” وهو في الحقيقة “تصريح في علاقة الكنيسة مع الديانات غير المسيحية” صدر عن المجمع الفاتيكاني الثاني في 7 كانون أول 1965 ووقّعه البابا القديس بولس السادس وسائر آباء المجمع قد أعلن بصراحة ووضوح في هذا الشأن: “وإن تكن سلطات اليهود وأتباعها هي التي حرّضت على قتل المسيح، لا يمكن مع ذلك أن يُعزى ما اقتُرف أثناء آلامه، إلى كلّ اليهود الذين كانوا يعيشون آنذاك دونما تمييز، ولا إلى يهود اليوم”.([2])
فهل يعني تصريح المجمع الفاتيكاني الثاني هذا أن الكنيسة الكاثوليكية قد تجاوزت التهمة التقليدية والمزمنة الموجّهة إلى الشعب اليهودي، والتي عبّر عنها القديس توما الأكويني في النصّ الآنف الذكر؟
من الواضح أن الكنيسة الكاثوليكية لم تعد تُقِرّ بإلصاق تهمة صلب المسيح بالشعب اليهودي برمّته، لا سيما وأنّه تعرّض للكثير “من الجور والمظلم”([3]) وعلى مدى قرون عديدة بسبب هذه التهمة. وهذا لوحده دليل على تطوّر الفكر الكنسي، والتزام الكنيسة الكاثوليكية الجدّي والصادق بالحوار المثمر مع الديانات غير المسيحية. ولكن، وبالمقابل، لا يصحّ أن نحكم على القديس توما الذي عاش في القرن 13م (1224-1274) بعقلية اليوم وقيَم هذا الزمن.
تمييز الأكويني بين حبّ الاطّلاع وفضول الاطّلاع
وتستوقفنا فطنة المعلّم الملائكي، وتمييزه الحاذق بين حبّ الاطّلاع، وهو فضيلة، وفضول الاطّلاع (الحشرية) وهو بعُرفه رذيلة. وهذا بحدّ ذاته دليلٌ ساطع على حسّه المرهف وحنكته ومقدرته على فرز الخطّ الأبيض عن الرمادي فالأسود. يقول معرّفاً (ص351): “حبّ الاطّلاع يراد به تلك الفضيلة التي تعدّل بالإنسان اشتهاء المعرفة، أو التعلّم بما يوافق العقل المستقيم”. (م166/ف1).
أما الحشرية، فيعرّفها الأكويني كما يلي (ص351): “فضول الاطّلاع هي رغبة الإنسان غير المرتّبة في أن يعرف أو يعلم ما لا يعنيه، أو ما يوجد في معرفته أو العلم به خطر على الفضيلة، بسبب ضعفه”. (م167/ف1).
الحشرية إذاً هي رغبة الإنسان الجامحة في أن يحشر أنفه بما لا يعنيه وبما ليس في معرفته من فائدة له، بل قد يسبّب له ضرراً في فضيلته، فمجاراة السلبية والبحث عن الأخبار التي تحمل هذا الطابع تجعل الإنسان ينحطّ، وفي ذلك يقول غوتاما بوذا: “المرء الذي يستلذّ بمعاينة وشجب أخطاء غيره يغفل أنّه بفعله هذا ينحطّ”. (صليبا، لويس، هكذا علّم بوذا التأمّل والتصوّف، ص161، آية13/2).
وفي القرآن: {ولا تجسّسوا} (الحجرات/12). أي: “لا تبحثوا عن عورات الناس وعيوبهم المستورة”.([4])
أمّا الأكويني من ناحيته فيؤكّد أن الحشرية والاستغراق في السلبيّات خطوة حاسمة تجرّ إلى المزيد من الرذائل الحسّية والشهوانية، يقول (ص351): “نَعم خطيئة فضول الاطّلاع يمكن أن تُرتكب بسهولة. وكثيراً ما تُرتكب في كلّ صنفٍ من أصناف المعارف بالعموم، أو في صنف المعارف الذي يتعلّق على الخصوص بالحواس أو الشهوات”. (م167/ف1 و 2).
ويعتبر الأكويني الاغتياب عملية سطو وسلب، يقول معرّفاً (ص273): “الاغتياب إذا أُخذ بمعناه الحقيقي أو المدقّق يتضمّن تعمّد ثلب صيت القريب بالكلام، أو نزع كلّ أو بعض ما له من القدْر في نفوس الآخرين، متى لم يكن من سبب عادل لإتيان هذا الأمر”. (م73/ف1).
ويعتبر القديس توما الاغتياب من الكبائر، بل هو أسوأ من السرقة (ص273): “الاغتياب خطيئة كبيرة لأنّه ينزع من القريب خيراً هو أثمن من المال الذي يُنزع منه بالسرقة”. (م73/ف2 و 3).
وفي القرآن ما يوازي هذا الحكم، لا بل ما هو أشدّ منه: {ولا يغتبْ بعضُكم بعضًا أيحبُّ أحدُكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه} (الحجرات/12). وجاء في تفسير هذا الآية: “ولا يغتب أحدٌ غيره، والغيبة: ذكرك أخاك بما يكره في غيبته، أيحبّ أحدُكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً، أي أن الغيبة تشبه أكل ميتة الإنسان. وهذا تصوير فعل المغتاب بأشنع صورة طبعاً وعقلاً، وأكلُ لحوم البشر حرامٌ مستقذر، ومثله الغيبة، كلاهما قبيح”. (الزحيلي، الموسوعة القرآنية، م. س، ص518).
وفي الحديث الشريف: «أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذكرك أخاك بما يكره». قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته»([5]).
أي: الغيبة هي ذكر المسلم بما يكرهه ولو كان الكلام صحيحًا، أما إن كان كذبًا فهو بهتان أشدّ إثمًا.
وفي حديثٍ شريف آخر: {الغيبة أشدّ من الزنا. قيل وكيف؟ قال الرجل يزني ثم يتوب، فيتوب الله عليه، وإن صاحب الغيبة لا يُغفر له حتى يغفر له صاحبه}([6])
وعلمُ الأخلاق Ethique يتضمّن مشتركات عديدة تقرّب بين الأديان على اختلافها. وما هذه سوى أمثلة بسيطة عمّا بين المسيحية والبوذية والإسلام من قرب في الخلُقية.
ونكتفي بهذا القدر من خلاصة الخلاصة اللاهوتية للأكويني، ومن شاء المزيد، فعليه بالعودة إلى هذا الكتاب الجزيل الفائدة والصادر مؤخّراً ومع بداية حبرية قداسة البابا لاون 14، فهو سِفرٌ رصين مسبوك العبارة ومستقيمها ومن شأنه أن يُغني المكتبات الخاصّة والعامّة، ويمتع القارئ ويفيده.
2-قواعد لغة العرب
أوفى المقتضب في قواعد لغة العرب، تأليف العميد د. إميل منذر، منشورات دار الفارابي، بيروت، ط1، 2023، 215ص.
تراجع لغة الضاد في وطنها
ليست كتب قواعد اللغة العربية والنحو بقليلة، لا سيما وأن الموضوع يهمّ شريحة واسعة من القرّاء والكتّاب. ورغم هذه الوِفرة، يبقى لهذا الكتاب ميّزاته.
وأولى هذه الميّزات نزعة المؤلّف إلى تبسيط قواعد العربية وحصر اهتمامه في الأساسي منها. فهدفه أن يَكسب النشء العربي ويثير اهتمامه بلغته، ويحفزه على استخدامها في المجالات الحديثة ولا سيما العلوم منها، في زمنٍ باتت منافسة اللغات الأجنبية وعلى رأسها الإنكليزية أشدّ وأقوى من السابق بعد أن فرضت هذه اللغة نفسها كلغة الإنترنت بامتياز. وعن هذا التراجع للغة الضاد يقول المؤلّف مستفتحاً كتابه (ص7): “العربية الفصحى لغة صعبة من غير شك. هذه الصعوبة، تعود بالدرجة الأولى إلى تشعّب القواعد، وضعف العلّة النحوية، وتعدّد المرادفات، وجواز الوجهَين والثلاثة، بالإضافة إلى الإعراب، نعني حركة الحرف الأخير من الكلمة. وهذا كلّه يُسهم في تراجع اللغة في وطنها وبين أهلها لصالح اللغات الأجنبية”.
ونحن نوافقه القول في أكثر ما ذهب إليه، فحركة الحرف الأخير من الكلمة تعسّرُ غالباً استخدام الفصحى بلا طائل. فلو قلنا مثلاً: “أكلَ الولدُ التفّاحةَ”، أو قلنا “أكلَ الولدَ التفّاحةُ” فالمعنى يبقى إيّاه، في حين أن صعوبة تحريك أواخر الكلمات بالحركة الملائمة كثيراً ما تُلجئ الخطباء والمتحدّثين في المناسبات العامّة والاحتفالات إلى استخدام اللغة العامّية خوفاً من ألسنة “المصحّحين” والمدقّقين، وما أكثرهم وما أقساهم، ولا سيما في ملاحقتهم المتكلّم ومحاسبته على كلّ حركة من الحركات!!
وهذه الصعوبة كانت واحدة من الأسباب الوجيهة التي جعلت اللغة المستخدمة غالباً في الهواتف المحمولة هي اللغة العامّية والمكتوبة بالأحرف اللاتينية المطعّمة بالأرقام: العين (ع): 3، خ: 5، إلخ.
ازدواجية اللغة بين الفصحى والعامّية
وعن هذه الازدواجية اللغوية التي تزيد في عُسر اللغة الفصحى، يقول إميل منذر (ص7): “ما كانت هذه الصعوبة لتنشأ لو كان لنا لغة عربية واحدة، أو قُلْ مستوى كلامي واحد: عامّي أو فصيح. لكن ما حيلتنا ولنا من كلامنا العربي ما يشبه اللغتَين!”
ويتابع المؤلّف موضحاً ومناقشاً (ص7): “العامّية لا يمكن إحداث أي تعديل فيها، لأنّها لغة الناس، متعلّمين وأمّيين. لذا، فإنّ أي حركة إصلاحية يجب أن تكون من الفصحى باتّجاه العامّية. وإذا كان الإصلاح الجذري متعذّراً بسبب إحاطة الفصحى بهالة من القداسة حوّلتها إلى لغة مخدومة فيما وظيفتها أن تكون خادمة، فإنّ ما هو متاح اليوم ينحصر في تبسيط القواعد، وشرحها بوضوح، وتلقينها بشكل متسلسل تسلسلاً منطقيّاً، وفي حذف ما يُستغنى عنه من هذه القواعد”.
غياب المرجعيّة اللغوية الموحّدة
وبدورنا نرى أن طروحات د. منذر هذه واقعية، ولا تجافي الصواب. نعم الإصلاح الجذري للعربية غير متيسّر ولا هو ممكن في أيّامنا، ليس بسبب هالة القداسة للغة الفصحى وحسب، بل وبسبب غياب أي مرجعية لغوية موحّدة كما هي حال الأكاديمية الفرنسية مثلاً Académie Française التي تفصل في المسائل المتعلّقة باللغة الفرنسية. فالبلدان الناطقة بالعربية أو البلدان العربية عديدة ولم تُفلح الجامعة العربية ولا غيرها من المؤسّسات في إيجاد أو تأسيس مرجعية لغوية واحدة موحّدة تعترف بها وتعود إليها وتحترم مقرّراتها مختلف الدول العربية. وفي القاهرة مجمع للغة العربية، وفي دمشق مجمع آخر، وفي بغداد مجمع ثالث، وكلّ مجمعٍ “يغنّي على ليلاه” إذا صحّ التعبير، ولا نجد تنسيقاً، وإن بالحدّ الأدنى بين هذه المجامع، وتبقى مقرّراتها غير ملزمة بل وغالباً غير محترمة!!
ويبقى أن هالة القداسة التي أحيطت باللغة العربية، والتي أشار إليها د. منذر، هي التي حافظت على وحدة هذه اللغة عبر 14 قرناً متوالياً. ولولا القرآن، لكانت اللغة العربية قد تشظّت إلى لغات، كما هي حال اللغة اللاتينية التي تفرّعت إلى خمس لغات: الإيطالية، الفرنسية، الإسبانية، البرتغالية والرومانية. ولما كان ابن المغرب العربي مثلاً يفهم شيئاً من كلام ابن المشرق المكتوب ولا المحكي.
تبسيط قواعد العربية حاجة ملحّة
أما قول المؤلّف: “إن ما هو مُتاح اليوم ينحصر في تبسيط القواعد، وشرحها إلخ”، فهو عين الصواب، وفي الحديث الشريف المتّفق عليه: “يسّروا ولا تعسّروا، بشّروا ولا تنفّروا”.([7])
ولا نخال المؤلّف إلا عاملاً بموجب هذه الوصيّة النفيسة، وساعياً إلى إثارة إعجاب النشء الجديد بلغة العرب، لا إلى تنفيره منها، لا سيما وأن الزمن يشهد سيطرة غير مسبوقة للغات الأجنبية، وطغياناً للإنكليزية على النت ووسائل التواصل. و د. منذر يقول في ذلك متوجّهاً إلى أساتذة اللغة ببساطة ووضوح (ص8): “رويدكم في حشو رؤوس التلامذة بقواعد يُستغنى عنها. علّموهم كيف يقولون، ودعوهم يستنبطون القاعدة. قال الجاحظ: “وأمّا النحو، فلا تُشغل قلبه (الصبيّ) منه إلا بقدرِ ما يؤدّيه إلى السلامة من فاحش اللحن…. وما زاد على ذلك فهو مَشغَلة عمّا هو أولى به، ومُذهل عمّا هو أرَدّ عليه”.
ويخلصُ منذر في هذا المجال إلى القول (ص8): “فما بالنا إذاً، بعد ألفِ عام، وفي زمنٍ تشعّبت فيه العلوم، وبرزت الحاجة إلى اللغات الأجنبية، نتشدّد في قواعد تساهل فيها الأقدمون في عصرٍ كانت فيه العربية اللغة الوحيدة، وعلمها متقدّماً كلّ العلوم!!”
ونحنُ إذ نقرأ هذا الكلام الوازن والموزون والمحبّ والمتحمّس للغة العرب في آن، لا نملك سوى أن نشُدّ على يد د. إميل منذر، ونقول له بأمانة وصدق: “لا فُضّ فوك، ولا عاش من يألوك”.
البليغ من يتجنّب الإغراب في الإعراب
كما أنّنا نذكّر أيضاً بقاعدة ذهبية صاغها أحد كبار نحاة العربية أبو منصور عبد الملك بن محمد الثعالبي (350-429هـ/961-1038م)، وتقول: “البليغ من يتجنّب الإغراب في الإعراب”.([8])
وفي جولتنا الطويلة والممتعة على القواعد العربية المعروضة والمشروحة والمشوهدة (المدعومة بالشواهد والأمثلة)، نتوقّف عند بعضٍ منها. ففي المسألة النحوية 14، نقرأ ما يلي (ص211): “هل جملة “نحنُ اللبنانيّون نُكرم الضيف” تركيب صحيح؟”
ويجيب منذر: في الحقيقة لا، لأن “اللبنانيّون” لا يمكن أن تكونَ بدلاً من نحن، لأن نظام الجملة يختلّ. لكن الصحيح هو القول: نحن، اللبنانيين، نكرم الضيف”، باعتبار الكلمة مفعولاً به على الاختصاص”.
وقد سجّلنا هذه الملحوظة، لا سيما وأنها تصحّحُ خطأً شائعاً كثيراً ما يقعُ فيه الكتّاب.
مسألة فتحتَي التنوين والألف المتطرّفة
ومسألةٌ نحوية أخرى استوقفتنا، وهي أثارت ولا تزال الكثير من النقاش، إنّها المسألة 11: التنوين والألف المتطرّفة. (ص210)، وفي ذلك يقول منذر عارضاً ومحلّلاً: “من المتّفق عليه أن الحركة الإعرابية سواء كانت فتحة أم ضمّة أم كسرة أم سكوناً، لا تظهر على الألف في الكلمات، سواء أكانت الكلمة اسماً أم فعلاً، وسواء أكانت الألف ممدودة أم مقصورة؛ فنقدّرها تقديراً لتعذّر لفظها. لكن ما يتعذّر لفظُه مع الألف في الحقيقة هو الضمّة والكسرة والسكون. أمّا الفتحة فلا يتعذّر لفظها، لكنّنا نقدّرها لعلّة الاستغناء عنها، ذلك أن الألف هي في الواقع فتحة ممدودة الصوت. وما دامت الفتحتان ضروريّتين لأنّهما علامة تنكير، وما دام لفظهما غير متعذّر فوق الألف، فلِمَ وضعهما على الحرف الذي يسبقها؟!! وإذا وُضعتا على الحرف الذي يسبقها، فما الحاجة إليها بعد؟!!!!”
ولا نخال د. إميل منذر إلا محقّاً في تعجّبه وتعبيره عن هذا التعجّب بكمّ من العلامات التي تشير إليه: !!!!
تعلّمنا منذ الصغر وحتى الصف الثانوي الأخير، لا بل وحتى في الجامعة، وتحديداً في قسم اللغة العربية وآدابها أن فتحتي التنوين توضعان على الألف المتطرّفة وعلى النحو التالي: أخيراً، أبداً، دائماً، إلخ. وهكذا كان يكتب أهل الشام، وهكذا دأبنا على الكتابة. وكان أساتذتنا يقولون لنا: “التنوين نون ساكنة، ويجوز بل يصحّ ويجب وضعها على الألف المتطرّفة”.
ولكن وفي العقدين الأخيرَين أو العقود الثلاثة الأخيرة جاءنا متحذلقو اللغة وأثاروا عاصفة حادّة من النقاش والتخطئة الصارمة بوجه من يضع فتحتَي التنوين على الألف المتطرّفة، وقالوا بوجوب وضعها على الحرف السابق للألف. فانقسم الكتّاب إثر ذلك إلى ثلاثة أقسام:
1-الأوّل بقي على ما تعلّمه ودأب عليه من وضع فتحتي التنوين على الألف المتطرّفة.
2-قسمٌ ثانٍ خشي حسام التخطئة، وما أحدّه وأمرّه، وتبنّى “فتوى” وضع فتحتي التنوين على الحرف السابق للألف المتطرّفة أي هكذا: أخيرًا، أبدًا، دائمًا، إلخ.
3-وقسمٌ ثالث آثر أن ينأى بنفسه عن هذا الخلاف الحادّ، ويبقى بالتالي على الحياد. فاكتفى بوضع الألف المتطرّفة في حالة التنوين دون أن يضع عليها ولا على الحرف الذي يسبقها الفتحتَين، أي على النحو التالي: أخيرا، أبدا، دائما، إلخ.
وهكذا عقّد نحاة اليوم المسألة عوضاً عن تبسيطها، وأخذوا يتراشقون ولا يزالون بكرات التخطئة الناريّة.
فسبحان الله، وهل نعجبُ بعد اليوم لِمَ ينفر كثير من أبناء الجيل الجديد من العربية الفصحى ويلجأون إلى اللغات الأجنبية، أو إلى العربية المحكيّة؟!
مهلاً يا دعاة النحو العربي الجدد، وعلى رسلكم. هذه المسألة البسيطة لم نصل فيها إلى حلّ، وما من مرجعٍ موثوق ومعترف به يُفتي فيها ويفصل الخطاب، كما أسلفنا!
وكأن قدرنا الخلاف الدائم، أو بالحري كأنّنا نختلق الأسباب التافهة، والمسائل الجوفاء كي نختلف ونصارع طواحين الهواء على طريقة دون كيشوت!!
د. إميل منذر: نشكر لك طروحاتك اللغوية الرصينة، ونحيّي غيرتك الصادقة على العربية الفصحى، وننصحُ بالعودة إلى كتابك المفيد والماتع في آن. وننتظر منك المزيد من العطاء.
3-كتابات يواكيم مبارك في المارونية والإسلام
الأب يواكيم مبارك، كتابات في المارونية والإسلام وفلسطين: المجموعة الكاملة باللغة العربية، جمع وتحقيق سركيس أبو زيد، تقديم د. جورج قرم، صدر عن دار أبعاد في بيروت، ط1، 2025، 464ص.
مبارك تلميذ ماسينيون
الأب يواكيم مبارك (20/7/1924-24/5/1995) علَم من أعلام الفكر الديني وعلوم الأديان، ورائد من روّاد الحوار المسيحي الإسلامي، وتلميذ نجيب ومميّز للمستشرق المعروف لويس ماسينيون (1883-1962) صان تراث معلّمه فأصدر المجموعة الكاملة لأعماله الصغرى ومقالاته Opéra Minora في ثلاثة مجلّدات ضخمة عن دار المعارف في بيروت 1963، كما جمع في أحد أجزاء خماسيّته “الخماسية الإسلامية المسيحية” Pentalogie Islamo-Chrétienne (بيروت، منشورات الندوة اللبنانية، 1986) بيبليوغرافيا موسّعة وشاملة لمؤلّفات ماسينيون ومقالاته وكتاباته.
وهذا الكتاب، يقول محقّقه وجامعه سركيس أبو زيد (ص19): “هو المجموعة العربية الكاملة التي تصدر لأوّل مرّة. وهي تضمّ مجموعة مقالات ودراسات كتبها الأب يواكيم مبارك باللغة العربية، وأخرى تمّت ترجمتها على مراحل في مجلّات وكتب نضعها بين أيدي القرّاء علّها تكون حجر أساس للإصلاح والتجديد الذي أراده الأب يواكيم مبارك للكنيسة المارونية وللحوار المسيحي الإسلامي”.
جورج قرم مقيّماً إسهام مبارك
قدّم للكتاب المفكّر والوزير الراحل جورج قرم (1940-2024)، وكانت مقدّمته هذه، كما يذكر المحقّق (ص5): “آخر ما كتبه جورج قرم قبل رحيله في 14 آب 2024″، وبذلك فقد جاءت بمثابة وصيّة لهذا المفكّر والسياسي اللبناني. ويلخّص قرم محاور الكتاب الثلاثة وجوهر طروحات مبارك فيها كما يلي. فبشأن بحوثه في الدراسات المارونية يقول: (ص5-6): “ناضل الأب مبارك فكريّاً وعمليّاً لنهضة الكنائس الشرقية، وعلى رأسها الكنيسة المارونية التي كان ينتمي إليها. وكان يتألّم من تدهور أوضاع الكنيسة المارونية، ومن فقدانها الدور المعنوي والأخلاقي والروحي الذي تميّزت به في عصورها الذهبية. وإنّما أتت خيبة أمله من عدائية بعض الدوائر الكنسية تجاهه”.
وعن المحور الثاني يقول قرم (ص5): “إن مقاربة يواكيم مبارك في قراءة تاريخ العلاقات المسيحية الإسلامية هي مقاربة موضوعية بشكل لافت. وإن كان متجذّراً في المسيحية ويؤمن بها إيماناً ساطعاً منفتحاً على أبناء الديانات الأخرى”.
الصهيونية شوّهت اليهودية
وعن المحور الثالث والأخير ألا وهو فلسطين يذكر قرم (ص6): “واللافت تنديد مبارك بما أصاب الديانة اليهودية من جرّاء نشأة الصهيونية السياسية، وإنشاء كيان إسرائيل الغاصب، وكأن الديانة اليهودية اختُصرت بأنّها صكّ ملكية عقارية في أراضي فلسطين حسب تعبيره”.
وموقف مبارك المميّز والمتبصّر من اليهودية يستدعي إطراقة تأمّل عميقة منّا كلبنانيين وفلسطينيّين في آن. فهو يميّز بصراحة ووضوح لا لُبس فيه بين الصهيونية واليهودية. الصهيونية، ولا سيما بوجهها السياسي شوّهت اليهودية، وهي أمّ الديانتَين الإبراهيميّتين الأخريين. وجعلت منها أو اختصرتها بحسب تعبير مبارك بأنّها “صكّ ملكية عقارية في أراضي فلسطين”. إنّه تعبير لافت وذكي، أصاب فيه مبارك كبد الحقيقة و”عين الديك” كما يقال بالتعبير العامّي والشعبي. الصهيونية مشروع سياسي بل بالحري استعماري وُلد وترعرع وأينع في ق19 في أوج ازدهار وتأجّج النزعة الاستعمارية الغربية، أمّا اليهودية فأوسع من ذلك وأكبر بكثير، فهي ديانة وتقليد كتابي وروحي كان له الأثر الحاسم في تطوّر التقاليد الروحية والدينية الأخرى، ولا سيما الإبراهيمية منها. ولا يغربنّ عن بالنا هنا مثلاً أن تيودور هرتزل (2/5/1860-3/7/1904) مؤسّس الحركة الصهيونية كان ملحداً وكان جُلّ ما يهمّه من اليهودية استغلالها لمشروعه السياسي في استعمار فلسطين. ومبارك الذي عاش ردحاً طويلاً في فرنسا، خَبِر عن قرب حساسية الإنسان الغربي بل عقدة الذنب التي لمّا يزل يعاني منها تجاه معاداة الساميّة Antisémitisme، فكان ذكيّاً ومصيباً في تركيزه على التمييز الواضح بين الصهيونية واليهودية، في حين لمّا يزل الإنسان العربي، وحتى يومنا هذا يخلط بين الاثنين!! وأبرز ما في موقف مبارك من حُذقٍ ودهاء في مقاربة الصهيونية تبيانه بالأدلّة أنّها شوّهت اليهودية عوض أن تخدمها!!
خطورة تحوّل المارونية من كنيسة إلى طائفة
ماذا الآن عن المحور الأوّل من الكتاب أي المارونية ووضع الموارنة اليوم؟
في ذلك يقول سركيس أبو زيد (ص10): “خلاصة تجربته [يواكيم مبارك] ومسيرته جسّدها في مشروع حياته وهو الدعوة إلى المجمع اللبناني الثاني (الأوّل عُقد سنة 1736) على أمل أن يكون المجمع الطريق إلى الإصلاح والتجديد من أجل إحداث نهضة في الكنيسة المارونية تعيدُها إلى دور الريادة بعد أن رأى المارونية تتراجع وتتقهقر وتتدهور”.
وفي محاولة ناجحة في تلخيص موقف مبارك هذا بكلمات قليلة لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليدين، يقول أبو زيد (ص16): “رفض يواكيم مبارك أن تتحوّل المارونية من كنيسة إلى طائفة، لا يُنظر إلا في مصالح أعضائها”.
ولا نخال الأب يواكيم إلا مصيباً في تمييزه اللافت والفطِن بين المارونية ككنيسة والمارونية كطائفة. وما نعاينه في أيّامنا، ومنذ عقود الاستقلال، هو بالحري تراجع مشهديّ لوجه المارونية ودورها ككنيسة ذات رسالة إنسانية وروحية جامعة لصالح هويّة سياسيّة ومصلحية يفيد منها الزعماء والوجهاء تجعل منها طائفة تتقاسم مع سائر الأطياف والمجموعات اللبنانية الأخرى المصالح و”أكْلة الجبنة”.
ومبارك مثلاً يتساءل بلوعةٍ وحسرة مؤثّرة مبيّناً كيف أفسدَ المال والاهتمامات الدنيوية الروحانية المارونية الأصيلة، فيقول (ص227): “يا كنيستي المارونية، ماذا فعلتِ بنسكِك؟ فهل تطويب شربل وتشييد حريصا مظهران من مظاهر تحوّلكِ من النسك إلى الأبهة العالمية، ومن الحياة الإنجيلية وشهادتها إلى السياسة وعتقها؟ أم أن التشييد هذا والتطويب ذاك دعوتان في دعوةٍ واحدة إلى تلك المعموديّة الثانية التي اصطبغتِ بها نسكيّاً في قورش، وهجريّاً في لبنان”.
وينقل أبو زيد عن المطران منير خيرالله قوله متحسّراً في ذكرى مبارك 1996 (ص18-19): “أبتِ قرّرتَ أن تعودَ إلى صومعتِك الباريسيّة بعد محطّتك اللبنانية المجمعية، لأن كنيستك لم تفهمك، إذ كنتَ سبّاقاً في فكرك ولاهوتك، ونبيّاً يصرخُ في صحراء لبنان. فعسى أن لا يكون مصيرُك مثل الأدباء والكتّاب الموارنة روّاد النهضة العربية الذين سبقوا عصرهم، فخرجوا من كنيستهم، ولم يعودوا إليها إلا ليُدفنوا”.
وبالفعل أفلم تكن هذه حال جبران خليل جبران وأمين الريحاني وبطرس البستاني ومي زيادة وغيرهم؟!! كما يشير بألمٍ ووجع سركيس أبو زيد (ص14).
تذكّرُنا تجربةُ يواكيم مبارك المارونية الإصلاحية بمعادلة صاغها من عانى قبله من هذا الوضع إنه الفيلسوف اللبناني كمال يوسف الحاج (1917-1976) الذي قال ببلاغته المميّزة وبيانه المُشرق: “بين التمَطْرُن والتبطرُك ضاع التمورن”.
فهل كانت حال أبونا يواكيم كحال من قيل له: “على من تقرأ مزاميرك يا داود”. أو كحال ما قاله معلّمه يسوع في الإنجيل: {لا كرامة لنبيّ في وطنه} (يوحنا 4/44).
أيّاً يكن، فهذا الكتاب عملٌ جليل الفائدة، يحفظ بعضاً من إرث وتراث علّامة جهبذ من لبنان، كانت له وصرخاتٌ مدويّة، لكنها بقيت مجرّد صيحة في واد. ولو أصغي إليها يومها، لكان من شأنها أن تجنّب لبنان بعضاً ممّا نُكب به من مصائب. فعساها تُسمَع ويُذكر من أطلقها في يومنا هذا أو في غدنا القريب!
تراث بلدة حصارات
–حصارات في حمى الهوادير، إعداد حنا أمين إبراهيم، عمشيت/لبنان، دكّاش برينتنغ هاوس،485ص، تجليد فاخر
البلد الذي يَفقُد تاريخه يُفتقد
كتاب أنيق، مميّز في طباعته وورقه الشاموا وصوره ووثائقه. وتراث لبنان، وخصوصاً في جانبه الريفي والقروي، لا يزال يحتاج إلى تضافر الكثير من الجهود ومبادرات المؤسّسات الخاصّة والعامّة لجمعه وحفظه وصونه من الضياع، لا سيما وأنّه الضمانة لبقاء الوطن واستمراره، فالبلد الذي يفقد تاريخه يُفتَقد. وهذا الكتاب يمكن أن يصنّف ضمن فئة البادرات الفردية لحفظ هذا التراث.
وحصارات بلدة وادعة من قرى قضاء جبيل، وقد أنبتت العديد من الأبناء الذين برعوا وأبدعوا في مجالات فكرية وفنّية عديدة، ومنهم على سبيل المثل الشاعر والأديب والمعلّم نعيم يزبك (1919-2006)، والشاعرة والرسّامة منى حسيب الحويّك (1966-1992) التي رحلت وهي في شرخ الشباب وفي بداية مشوارها الإبداعي، وغيرهما الكثير من المبدعين.
وهذا الكتاب “حصارات في حمى الهوادير”، أراد معدّه وناشره حنا أمين إبراهيم أن يحفظ فيه تراث وتاريخ أسرته “الهوادير” وجانب من إرث وأمس بلدته الغالية حصارات.
حصارات والقرى المجاورة
نقرأ فيه عن علاقة هذه الضيعة بالقرى المجاورة قولاً للشاعر عصام حدّاد (1943-2013) ابن عين كفاع (ص21): “هناك تبادل سفارات بين سنديانة عين كفاع، وخرّوبة هوادير حصارات”.
وعين كفاع هي قرية العلمَين الأديبَين مارون عبّود (1886-1962) ونسيبه الخوري يوسف الحدّاد (1865-1949) صاحب “النجوى”، وأستاذ جبران خليل جبران.
وقد اشتهر عن مارون عبّود قوله ردّاً على سؤال طرحه عليه طه حسين: “أنا تلميذ تحت السنديانة في عين كفاع”.
وعن تاريخ أسرة الهوادير، نقرأ (ص22): “الخواجا يوسف طنّوس حنا شلهوب أوّل رئيس لبلدية حصارات، وأمين صندوق الكوميسيون البلدي، ووكيل المنطقة السفلى وكذلك حصارات (…) وفي عهده خلع عليه الأمير بشير الشهابي الكبير لقب خواجا المنطقة إعجاباً بشخصه ورجولته”.
وليت كاتب هذه السطور السيد ياسر لبكي ذكر لنا أقلّه تواريخ مولد ووفاة يوسف شلهوب أو سنوات تولّيه رئاسة بلدية حصارات توثيقاً لكلامه ولكي لا يكون هذا الكلام من فئة المزاعم المرسلة، وكي يستطيع أيّ باحثٍ آخر أن يستند إليه!!
والملاحظة عينها تنسحب على قول ياسر لبكي (ص23): “الجدّ الخواجا طنّوس أمين شلهوب شغر [شغل] مناصب رفيعة عدّة، أهمّها وكيل للوقف على مدى خمسين عاماً. كما كان عضو اختياري [عضواً اختياريّاً] على مدى ستّين سنة، ووكيل مختاريّة حصارات، إلخ…”
كلامٌ هو الآخر مرسل، لا سند ولا توثيق له، فمتى أقلّه تولّى طنّوس شلهوب كلّ هذه المسؤوليّات أو بعضاً منها وفي أيّ زمن عاش؟!
وثائق تاريخيّة مفيدة
ويضمّ الكتاب عدداً من الوثائق التاريخية المفيدة للباحثين في تاريخ المنطقة، مثل “صكّ قسمة حصارات عقاريّاً بالتوافق بين الخواجا طنّوس حنّا شلهوب وسليم بك وهبي من عمشيت” (ص49). ونموذج عن “دفع الميري بعهد يوسف طنّوس شلهوب” (ص54). و”لائحة وثائقية بأسماء الأطبّاء” (ص60) لكنّنا لا نعرف تاريخ هذه اللائحة على وجه التحديد!! والكثير غيرها من الوثائق وصوَر الصكوك من تمليك وغيره.
ولو قُيّض لهذه الوثائق مؤرّخ مدقّق يعمل على تحليلها واستخراج ما حوت من معطيات تاريخية واقتصادية واجتماعية وفكّ رموز أو عويص بعض خطوطها، لكانت عظيمة الفائدة للباحثين!
ويجمع الكتاب باقة من الأمثال والحكم السائرة والمتداولة في بلدة حصارات والجوار: 512 مثلاً (ص266-284)، رواها مُعِدّ الكتاب حنا أمين إبراهيم “عن آل شلهوب من زمن الجدّ الكبير شلهوب الإهدني حتى يومنا” (ص284).
وبعض هذه الأمثال يصعب أن نجدها في كتب ومجموعات الأمثال الأخرى، كمثل: “لو دبحتلّو خروفَين، ما بقلّك تسلم هالإيدَين” (مثل رقم 11، ص266)، “عنتر عامل حالو، وبيخاف من خيالو” (49، ص267)، “إذا بترشي، معاملتك بتمشي” (34، ص264)، “ما حدا بيعرف كيف بتصير تعريسة الغني، وموتة الفقير” (62، ص268). وغيرها.
وفي الكتاب الكثير من الصور الشخصيّة والفردية!! وكذلك رسائل وكلمات تقريظ للمؤلّف حنا أمين إبراهيم من عددٍ وافر من الأصدّقاء والكتّاب، وقد طغى على الكثير منها طابع المبالغة!
وخلاصة القول، فهذا السفر بأناقته وجودة إخراجه وطباعته، وبما جمع بين دفّتيه من وثائق عديدة مفيدة وذات طابع تاريخي أو تراثي لبناني وقروي، وبغضّ النظر عن الصوَر الشخصية وما أكثرها، ورسائل التقريظ المغالية، جديرٌ بأن يكون أسوةً ونموذجاً لحفظ التراث القروي وتاريخ الأُسر اللبنانية، وصونه من الضياع. ذلك أنّه وكما يقول المؤرّخ المميّز أسد رستم (1897-1965): “إذا ضاعت الأصول، ضاع التاريخ”.
.«»«»«»«»«»([9])
[1] -حديث أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (3/192) والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقّه 2/62، عن علي بن أبي طالب عن النبي أنّه قال.
[2] -المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني: الوثائق المجمعية، ترجمة المطارنة يوسف بشارة وعبده خليفة وفرنسيس البيسري، بيروت، دار الكتاب المفضّل، ط2، 1984، تصريح في علاقة الكنيسة مع الديانات غير المسيحية، ص865-866.
[3] -المجمع الفاتيكاني، الوثائق المجمعية، م. س، نبذة في مراحل تكوين “تصريح في علاقة الكنيسة مع الديانات غير المسيحية”، ص855.
[4] – الزحيلي، د. وهبة وآخرون، الموسوعة القرآنية الميسّرة: القرآن الكريم والتفسير الوجيز، دمشق، دار الفكر، ط5، 1427هـ، تفسير آية سورة الحجرات/12، ص518.
[5] -أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة عن الرسول أنّه قال، كتاب البِرّ والصِلة، باب تحريم الغيبة، ح2589، كما رواه الترمذي في سُننه وقال حديث حسن صحيح.
[6] -حديث أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (ح348/6) عن جابر بن عبدالله وأبو سعيد الخدري، كما أخرجه الدينوري في المجالسة وجواهر العلم (ح3541). وابن أبي الدنيا في الصمت بلفظٍ مقارب (ح164).
[7] -حديث رواه أنس بن مالك عن الرسول (ص) أنّه قال، وأخرجه البخاري في صحيحه (ح6125)، ومسلم (ح1734).
[8] -Landberg, Carlo, Proverbes et dictons de la Province de Syrie, section de Saydâ, Leiden, J Brill, 1883, pXXVIII.
[9] –
دار بيبليون