لويس صليبا/كلمة في الاحتفال التكريمي للمفكّر د. الياس الحاج، مدرسة فرير جبيل، السبت 24/10/2026

لويس صليبا/كلمة في الاحتفال التكريمي للمفكّر د. الياس الحاج، مدرسة فرير جبيل، السبت 24/10/2026

حمل إلي، في أيار الماضي، صديقي ورفيق مقاعد الدراسة الأستاذ أنطوان دكّاش في زيارة له كتاب “من حديقة الحياة” لأستاذنا د. الياس الحاج، وبادرني قائلاً: إقرأ آخر ما أخرجَتْهُ مطبعتي لمعلّمنا الحبيب. استوقفني إخراج الكتاب المتقن، ومقاسُه المميّز، ولوحةُ غلافه المبدعة والتي تشدّ الأنظار. وبعد مضي صديقي دكّاش فتحتُ هذا السِفرَ متصفّحاً، فكان أوّلُ ما وقع نظري عليه قولٌ للمؤلّف جاء فيه:

“كرّموهم وهم أحياء يا فاقدي الحياء”.

أحسستُ في قرارة نفسي، وكأن هذه العبارة الموجِعة موجّهةٌ تحديداً إليّ.

وبعد أيّامٍ قليلة، زارني رفيقُ المقاعد الدراسية الآخر المهندس المغترب وجيه يزبك مع رفاقٍ آخرين، فرويتُ لهم ما حدث لي خالُصاً إلى القول: هي فرصةٌ سانحةٌ لنا كي نكرّمَ هذا المعلّم والمفكّر الجهبذ، في بادرة وفاءٍ منّا لمن له فضلٌ عميمٌ علينا، وأن نلتقي جميعاً في احتفالٍ لتكريمه حيّاً، فوردةٌ تهدى إلى مفكّر في حياته، خيرٌ من أكاليل عديدة توضعُ عند رفاته. وتكريم الياس الحاج تشريفٌ للفلسفة اللبنانية وإعزازٌ للقومية اللبنانية وقد دعا إليهما على خُطى معلِّمه الفيلسوف كمال الحاج. فوافقني وجيه الرأي، وأبدى حماسةً في الدعوة إلى هذا الاحتفال، وتكفّل مشكوراً بتغطية تكاليف الكوكتيل الذي سيقدَّم فيه. كما كان للزميلين هنري غوش وكمال صفير، إضافة إلى دكّاش ويزبك، إسهامٌ قيّم في الإعداد لهذه الندوة وتنظيمها.

هذه باختصار شديد قصّةُ هذا الاحتفال التكريمي، أرويها، لا سيما وأن الكثيرين طرحوا عليّ بشأنها السؤال.

وإنّها لمفارقةٌ كبرى في موطن الأرز، بل آفةٌ من آفاتنا، أن لا نعيَ وندركَ أهمّيةَ إسهامِ مفكّرينا وحضورِهم بيننا إلا عندما نفقدُهم ونفتقدُهم وفي الليلة الظلماء يُفتقدُ البدرُ، وفي ذلك يُنشد الشاعر أحمد الصافي النجفي متحسّراً:

يا لِحظِّ الأديبِ يكرَّمُ ميتاً        ويلاقي في العيشِ بؤساً ودمّا

كان يُعلي النداءَ والناسُ صمٌّ     فأجـابـوه حينَ صـار أصـمّـا

والياس الحاج نفسُه عانى، ولا يزال، من هذا الإهمال وعدم الاكتراث، وعبّر عنه في العديد من كتاباته، ففي مقالة “مسكينٌ كلّ مبدعٍ في بلادي” وعنوانُها يُعرب بصدقٍ وواقعية عن هذه الحرقة والمرارة يقول الحاج:

“عباقرةُ الوطن تباهت بهم أنديةُ العالم، وسُلُطات الوطن لا تذرفُ دمعةً عند قبر عبقريّ!!

مبدعو بلادي يتضوّرون جوعاً، يُسحقون ذلّاً وقد أُتخمت بالأوسمة نعوش” (شظايا، ص53).

إنها اللامبالاة L’indifférence وعلى مختلف الأصعدة والمستويات ومن رأس الهرم إلى قاعدته، وقد غدت، ومع الأسف الشديد، من ثوابت ومقوّمات شخصيّتنا الأساسية Personnalité de base، وكم سقط من كبارنا في مختلف مجالات الإبداع بضربتها القاضية. ولا نستصغرنّ المقدرةَ الفائقة للامبالاة على الفتك، وقد غنّى المطرب الفرنسي جيلبير بيكو في ذلك محذّراً:

L’indifférence, elle te tue à petit coup, L’indifférence,

Tu es l’agneau elle est le loup L’indifférence,

اللامبالاة، تقتُلك بضرباتها الصغيرة، فأنت الحملُ، وهي الذئب”./

هذه المعليشية أو اللامبالاة بمختلف مرادفاتها من تجاهل وعدم اكتراث بل واستهتار وقد دأبنا عليها كلَّها، آفةٌ من كبريات آفاتنا هي، وقد آن لنا أن نعي خطرَها الفتّاك.

اللامبالاة، قبل أن نهلِكَ جميعاً من اللامبالاة

أودّ أن أراها مصلوبةً اللامبالاة

كم ستكون جميلة وهي ممزّقةٌ إرباً اللامبالاة

بهذه الكلمات الأخيرة المعبّرة يختم بيكو أنشودته العذبة.

ولمّا كان خيرُ تكريمٍ لمفكّرٍ مميّز مثل الياس الحاج هو أن نأخذَ منه، لا أن نعطيَه، وأن نقرأَه ونستشهدَ بأقواله، ونستخلصَ العِبر من أفكاره وطروحاته، “نفسي مُثقلةٌ بأثمارها، فهل من جائعٍ يجني ويأكل ويشبع” يُنشدُ جبران.

لذا عمِلتُ بجِدّ ومثابرة، تحضيراً لهذا الاحتفال، على تأليفِ هذا السِفر الذي يوزَّع اليوم احتفاءً به.

عاشق الحياة مغرَمٌ بالقلم مولعٌ بالقيَم

العنوان المعبّر هذا كان خلاصة الانطباع الذي ترسّخ في الوجدان إثر قراءتي النقدية المتأنّية لنصوص الياس الحاج، هكذا فهمتُه، وهذا ما بقي في الفكر والذاكرة إثرَ تتلمُذي عليه منذ نصفِ قرنٍ ونيّف. وكانت لي مع مؤلّفات الحاج ونصوصِه وكتبه السبعة والعشرين رفقةٌ جمعت بين الممتِع والمفيد، ولو تركتُ النفسَ على سجيّتها لاستغرقَتْ في التأمّل والاستزادة من نصوص هذا المفكّر وخواطره وطروحاته، ولخرجتُ بأطروحةٍ موسّعة ومتكاملةٍ عنه. ولكن ظرفَ الاحتفالِ يحكم، فكان هذا المصنّف الذي يتوسّط الإسهاب والاقتضاب، ويمهّد لبحث أكاديمي أو أطروحة عنه أكثر توسّعاً وتعمّقاً.

وقد جمعتُ في هذا السِفر أولاً ما سبق لي أن كتبته عنه: ذكرياتي عن الحاج المعلّم أيام مدرسة فرير جبيل، وقد سبق أن نُشرت في كتابي: مذكّرات ومشاهد وشخصيات من لبنان في الستّينات والسبعينات 1960-1980.

ومقالتين موسّعتين نُشرتا في مجلّة أكاديمية محكّمة هي “الدراسات الأمنية”.

ولكن يبقى صُلبُ موضوع هذا المصنّف التذكاري الذي أقدّمه اليوم هو فصلُه الخامس والأطول، وفيه عرضتُ لـمعظم مؤلّفات أستاذي الحاج معرّفاً بإيجاز بكلّ كتاب أوّلاً، ومقدّماً مختاراتٍ منه ثانياً، ومحلّلاً ودارساً لهذه المختارات أو لبعضها ثالثاً.

ويبقى أنّه، وكما يقول غوتاما بوذا، فجواهرُ المرءِ الحقيقية هي أفكارُه البنّاءة، لا مجوهراته. فما القول إذن إذا كان هذا المرءُ مفكّراً وأديباً مبدعاً من طينة الياس الحاج وخامتِه ووطنيّته الصادقة. ومن هنا فطروحاتُه ومؤلّفاتُه ثروةٌ وطنية وإرثٌ عام، وهي أمانة في أعناقنا جميعاً، ومسؤوليّتُنا تبقى بأن لا نفرّطَ بها، ونصونَها وننقلَها إلى الآتين من بعدنا، فهي منارة لمن شاء أن يستنير، ولا يوقد سراجٌ ويوضعَ تحت المكيال، كما يقول السيّد المعلّم والسلام.

برعاية وزارة الثقافة اللبنانية

يتشرّف قدامى مدرسة فرير جبيل، فوج 77 بدعوتكم إلى احتفال تكريمي لـ

المفكّر والأديب والإعلامي الأستاذ د. الياس الحاج

وفقاً للبرنامج التالي:

كلمة عريفة الاحتفال الأستاذة كوزيت أبي نادر

كلمة مدير مدرسة سيدة لورد الثانوية للإخوة المريميين، جبيل الأستاذ إيلي الهوا

كلمات المحاضرين السادة:

القاضي الياس عيد

د. كمال العلم

د. لويس صليبا

كلمة صاحبة الرعاية وزارة الثقافة يلقيها د. عارف الذهبي

كلمة المحتفى به

الزمان: السبت 24 تشرين الأول 2026، السادسة مساءً

المكان: مدرسة سيدة لورد الثانوية للإخوة المريميين، جبيل

يختم الاحتفال بـ كوكتيل ونخب المناسبة

دعوة خاصّة، نرجو تأكيد الحضور: 03142654 أو 03847633

شاهد أيضاً

لويس صليبا/ الأيورڤيدا وعلم نفس الصدمات واليوغا معالجة الانفعالات وتشنّجات الحياة اليومية

لويس صليبا/ الأيورڤيدا وعلم نفس الصدمات واليوغا معالجة الانفعالات وتشنّجات الحياة اليومية دار ومكتبـة بيـبليـون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *