لويس صليبا، تعريف الأيورفيدا في السفارة الهندية، الأربعاء 23أيلول2026

كان معلّمي في الهند يوصيني دائماً: علّم الأيورفيدا واليوغا بلغتك الأمّ، فبدون ذلك لن تتجذّر هذه المعرفة السامية في بلدك وفي العالم العربي. كما أن العديد من الحاضرين ههنا طلبوا منّي أن أحدّثهم بالعربية، لذا عملاً بهاتين الرغبتين فسيكون العرض الذي سأقدّمه من قسمين الأوّل بالإنكليزية، والثاني بالعربية.
منذ بداية هذه الألفية الثالثة أي العام 2000، باشرتُ مشروعاً طموحاً يقضي بتعريف لبنان والعالم العربي على الأيورفيدا، وذلك عبر محاضرات ومقابلات تلفيزيونية واستقدام أطبّاء أيورفيديين من الهند، وتأليف ونشر سلسلة من الكتب عن الأيورفيدا. وأكتفي اليوم، وفي هذه العجالة، بذكر بعض ما ألّفتُ من كتب انتشرت في مختلف أرجاء العالم العربي للتعريف بالأيورفيدا.
سلسلة الأيورفيدا واليوغا باتت تضمّ اليوم عشرة كتب، أوّلها وأشهرها: موسوعة الأيورفيدا: دراسة علمية ودليل عملي للتداوي وحفظ العافية. موسوعة وحيدة من نوعها مذ صدرت سنة 2006 وحتى اليوم وقد بلغت طبعتها الخامسة، وهي في 675ص.
الأيورفيدا والطب العربي: دراسة في الطب الهندي وأثره في أرض الإسلام مع تحقيق وشرح لـ “مقالة من جوامع كتب الهند” لابن ربّن الطبري، في 371ص.
ولن أعرض لسائر عناوين هذه السلسلة، بل أكتفي بعرض موجز للكتاب الأخير الصادر من ضمنها.
“الأيورفيدا وعلم نفس الصدمات واليوغا: معالجة الانفعالات وتشنّجات الحياة اليومية”
Ayurveda, trauma psychology, and yoga
Treating emotional distress and tensions of daily life
اليوغا والأيورفيدا كانتا سبّاقتين إلى ما يعرف اليوم بـ علم نفس الصدمات (أو الصدمة) Psychologie du trauma. وهو آخر وأحدث الاكتشافات والتطوّرات في المجال السيكولوجي. ينقل ابن ربّن الطبري (153-247هـ/770-861م) عن مصادر الأيورفيدا أن من أبرز أسباب العلل والأمراض: “من أسقام نفسية مثل الحزن والغضب، وإما من التعب، وإمّا من مقاساة الشدائد والأهوال“.
والجملة الأخيرة هي حقّاً لافتة ومفتاحية، وتُظهر كم كان حكماء الأيورفيدا وأطبّاؤها سبّاقين ومتنبّهين إلى أثر الصدمات ودورها في التسبّب بالأمراض النفسية والبدنية. وهو ما وعاه الطبّ الحديث وعلم النفس الراهن مؤخّراً!!
ويشير نصّ ابن ربّن الطبري كذلك إلى الأثر النفسي الفاعل في التسبّب بالأمراض، وهو ما بات يعرف اليوم بالطبّ النفسجسدي أو السيكوسوماتيكي. وعن أثر التشنّجات والانفعالات السلبية الحاسم في التسبّب بالأمراض، يقول د. دافيد سرفان شرايبر: “إن عامل الضغط النفسي حافز لما يتراوح بين 50 و 70% من جميع الاستشارات الطبّية، وعامل خطورة أشدّ تأثيراً في ما يتعلّق بالوفيات من التدخين”.
وممّا لحظته استناداً تجربتي في الأيورفيدا واليوغا أن معظم الناس يهربون من الاشتغال على الذات. هم يبحثون عن حلول لمشاكلهم من نوع: خذ هذه الحبّة صبحاً ومساءً، وستجد في ذلك الحل!! وهذا نقيض الأيورفيدا على خطّ مستقيم، ذلك أنّها تركز أوّلاً على روتين يومي صحّي Life Style، وثانياً على الأدوية البيتية Home Remedies، وثالثاً على علاجات التطهير والمسّاجات Pancha Karma.
أما الحلول الطبيعية والتي تتطلّب تغييراً ما في نظام الحياة والحِمية وطريقة تناول الطعام وغير ذلك فيستبعدها معظم الناس إذ يرون أنّها تتطلّب بذل مجهود ما، يجدونه متعباً ومربكاً. في حين يعلّم الصوفيّة ويكرّرون قول أبي علي الدقّاق (ت405هـ): “من زيّن ظاهره بالمجاهدة، زيّن الله باطنه بالمشاهدة”.
ويغرب عن بال هؤلاء الناس أن أيّ مرضٍ أو مشكلة نفسية أو فيزيولوجية تعني أوّلاً أن ثمّة خطأ ما يجب تصحيحه!
مَن مِن الناس يجرؤ أن يقود أو يركب سيّارة تعطّلت كوابحها (الفرامات)؟!
الكلّ يدرك هذا الخطر المميت ويتحاشاه. ورغم ذلك فمعظم الناس، وكما يبيّن هذا الكتاب يعطّلون كابح البدن والنفس أي الجهاز الباراسمبتاويParasympathique ويعجزون بالتالي عن ضبط انفعالاتهم كالغضب والخوف والزعل وغيرها ويتركونها تسيطر عليهم وتتحكّم بهم وتسبّب لهم المعاناة والأمراض، وهم غافلون عن سبب كلّ ذلك!!
والأكثرية الساحقة من الناس غير معنية بمعرفة آليّة عمل ذهنها كي تخفّف من معاناتها، أو أنّها تهرب من معرفة النفس. وهذا الهرب أو التهرّب أو التملّص هو بالحري تصرّف انتحاري مقنّع، وفي ذلك تقول حكيمة الهند مآ أنندا مايي (1896-1982) Ma Ananda Mayi:
“الذين لا يسعون لمعرفة أنفسهم ينتحرون في كلّ لحظة”.
المارما كنموذج تطبيقي في الأيورفيدا وعلم نفس الصدمات
تُعرِّف الأيورفيدا المارما بأنها نقطة تشريحية تلتقي فيها العضلات والأوردة والشرايين والأوتار والعظام لتكوّن مراكز الحياة. إنها نقطة لتبادل الطاقة وتدفّقها في الجسم.
ويُعدّ علاج المارما فرعاً مهمّاً من الطب الأيورفيدي والتبتي، ويتمثّل في إعادة فتح هذه النقاط وتنشيطها، ممّا يُحسّن الصحة النفسية والجسدية.
واليوم، ومع نشوء وتطوّر علم نفس الصدمات Psychologie du Trauma تكتسب المارما وعلاجاتها بُعداً جديداً، ولا سيما في المداواة النفسية والصحّية لآثار الصدمات، وهي تبيّن أن الأيورفيدا كانت سبّاقة في هذا المجال.
نقاط المارما الثلاث الكبرى:
وبما أن نقاط المارما ليست فقط على السطح (الجلد)، بل تنفذ إلى عمق البدن، لذا يمكن إنعاشها بالتأمّل Méditation كمراقبة النَفَس. والتأمّل ينشّط على الأخصّ المارما الثلاث الكبرى Tri Maha Marma. المتمركزة في الرأس ومنطقة القلب وأسفل البطن. وهذه النقاط هي الأبرز بين المارما، وأوّل ما يجب تنشيطه. لأنها تمارِس تأثيراً خطيراً على نقاط المارما الثانوية.
والنقاط الثلاث هذه يمكن الاهتمام بها وتدليكها عند ممارسة المسّاج الذاتي اليومي.
1-النقطة الأولى هي بين الحاجبين في وسط الجبين. والتدليك الناعم لهذه المنطقة، مع إغماض العينين، مفيد في حالة القلق وآلام الرأس، وغيرها من اضطرابات الڤاتا التي تصيب الأماكن العليا من الجسم.
2-النقطة الثانية: في منطقة القلب. وتقع مباشرة تحت القص (عظمة الصدر المفروزة فيها أطراف الأضلاع: (Sternum. وحيث ينتهي القفص الصدري. وتدليكها يفيد في تهدئة الانفعالات.
3-النقطة الثالثة: في القسم السفلي من البطن (10 سم تحت السرّة). وتدليكها يفيد في حالات الإمساك، الغازات وغيرها من مشاكل المزاج الهوائي التي تصيب المنطقة السفلى من الجسم.
ونقطة المارما الثالثة هذه تتماهى، على الأرجح مع الهارا Hara، التي يركّز عليها اليابانيون.
يمكن الإفادة من المارما عموماً بتدليك القدمين. فثمّة مجموعة من هذه النقاط، وهي أبرزها في أخمص (باطن) القدمين. ولتنشيطها يُنصح بتدليك ناعم للقدم خمس دقائق يومياً. أمّا الوقت الأنسب لهذا التدليك، فهو مباشرة قبل النوم. لأن الأثر المهدّئ الذي يُحدثه في الجهاز العصبي، ولا سيما عند المزاج الهوائي، يجعل منه أنجع تحضير لنوم عميق.
ويُوفّر لنا علاج المارما طريقة هادئة وبسيطة للبرمجة الذاتية وتنظيم مشاريعنا في جوّ من الكتمان.
وكقاعدة عامّة في تمارين العلاج بالمارما هذه يُنصح أن تتزامن مع حركتي التنفّس، بحيث يكون الضغط بالإصبع أو بالأصابع متزامناً مع الشهيق، وعند إرخاء الأصابع يتمّ الزفير.
والبداية مع البرمجة الذاتية. ففي زند الذراع اليمنى، وعلى بعد أربعة أصابع من معصم اليد تكمن نقطة المارما للبرمجة الذاتية. نغمض العينَين، ونضغط بالباهم على هذه النقطة مرّات ثلاث، مكرّرين داخليّاً مع كلّ مرّة نيّة أو مقصداً نبرمج أنفسنا على القيام به، مثل: سأقومُ بهذا العمل المعيّن اليوم.
شهيق عندما نضغط، وزفير عند تخفيف الضغط.
بعدها ننتقل مباشرة والعينين مغمضتين إلى الضغط على نقطة مارما في أسفل الأنف بين المنخارين، نكرّر الضغط عليها بالسبابة مرّات ثلاث. وهي نقطة مارما تحسّن مستوى الطاقة في الجسم، وتساعد على تقوية التركيز والتنبّه. شهيق عندما نضغط، وزفير عند إرخاء الضغط. ويمكن تكرار الضغط على هذه النقطة نحو خمس مرّات.
مارما تنشيط النظر وإراحة العينين
وبعدها ننتقل إلى نقاط المارما حول العينين. والهدف الأساسي من هذه الممارسة تنشيط حاسّة النظر وإراحة العينين. فحول كلّ عين خمس نقاط مارما. نضغط بالسبابة على نحوٍ متزامن على النقطتين المتوازيتين في كلّ من العين اليمنى واليُسرى. النقطة الأولى حيث يلتقي وسط العين بالمنخار، الثانية أسفل العين بالقرب من الأنف، الثالثة أسفل العين في الجهة المقابلة للأنف، الرابعة وسط العين من الجهة المقابلة للأنف. والنقطة الخامسة أسفل الجبين في آواخر كل حاجب.
وبعد نهاية الضغط على نقاط المارما الخمس حول العين مسّاج خفيف للجبين في حركة أفقية وحول العينين في حركة على حدود العينين.
دار بيبليون