تشخيص الأمراض كافّةً بقراءة النبض في الأيورڤيدا/مقالة لمجلّة الأمن، عدد حزيران 2026، بقلم أ. م. لويس صليبا
في الحلقة السابقة تحدّثنا باختصار عن جانب من الأثيولوجيا أو علم أسباب الأمراض في الأيورفيدا، وهو الزاوية الأولى في مثلّث مقاربة الأمراض في الأيورفيدا أو الطبّ الهندي العريق والمتجدّد. فماذا الآن عن الزاوية الثانية أي التشخيص Diagnostic، ولا سيما تشخيص الأمراض بقراءة النبض، وما هي قراءة النبض تحديداً، وما هي ميّزاتها؟

النبض رسول بين الطبيب والمزاجات
أشهرُ وسائلِ تشخيصِ الأمراض يبقى جسّ النبض أو قراءة النبض، فهي تكشفُ مستوياتِ المرض الخفيّة. فكيف يعرف الطبيب حال المزاجات في جسم أيّ إنسان؟ وكيف يشخّصُ المرض؟ يقول Rgyud-bzi أحد مصادر الأيورڤيدا: «بين المزاجات والطبيب الذي يُحسن تفحّصَ حالِها ثمّةَ رسول: إنّه النبض». النبض أقدمُ وسيلة تشخيص وأكثرها فاعلية. فهو القادر على كشف مستويات من الأسقام غير ظاهرة Latente تلك التي يتكوّن فيها المرض ببطء ويتحضّر ليظهر. وأحياناً لا يظهر إلاّ بعد سنوات، والمستويات هذه تعجَز عن كشفها الآلات الحديثة والتحاليل، فهي لا تلتقطُ سوى الخلل العُضوي، في حين أن الخلل يستغرقُ وقتاً وزمناً ليصير عُضوياً وبالتالي معلناً.
قراءة النبض عرفها الإغريق والعرب والهنود
وقراءة النبض التي نتحدّث عنها وعن قدرتِها على التقاط أدقّ إشارات الخلل والعلل ليست بدعةً مُحدَثة في الطب. فقد عرفها قُدامى أطباء اليونان وعنهم أخذ أطبّاء العرب طريقة التشخيص هذه وطوّروها ومارسوها واستطاعوا من خلالها تحديد الأسقام والعلل التي يعاني منها مرضاهم. يقول علي بن العبّاس المجوسي (ت384هـ/994م) أحد أشهر أطبّاء العرب: “النبضُ رسولٌ لا يكذب، ومنادٍ أخرس يُخبِر عن أشياءٍ خفيّة بحركاتِه الظاهرة”. وما أبلغْ ما يقولُه المجوسي، وما أعمقْ دلالاته. النبضُ منادٍ أخرس، إنه يصرخُ لا بكلامٍ عادي، وإنما برموزٍ وإشارات، بلغةٍ على الطبيب المحترف والحكيم أن يُتقنَ فهمَها وقراءتها. والأخرسُ لا يُفصح بكلمات، بل بحركات، ومثلُها حركات النبض لا يفهمها إلاّ العارف الخبير. الجسدُ بكل أعضائه يعبّر عن نفسه بالنبض وأيُّ اضطرابٍ يُترجَمُ حركةً ما في النبض. ولا بدَّ من خبيرٍ يفهمُ إيماءات هذا الأخرس الثاني وحركاتِه فهي تُفصح عن خفايا فيزيولوجيا الجسد ووحده الطبيب الأيورڤيدي قادرٌ على سَبْرِ أغوارها.
المجوسي يحلّل أسباب صعوبة قراءة النبض
وقول المجوسي هذا يصلح شعاراً ملخِّصاً لعلم النبض وأهدافه. إضافة إلى صوره البيانية ودقة معانيه وسحر بلاغته.
ويقول هذا الطبيب العربي في مكان آخر: “إن العلم بأمر النبض صعب، ومعرفته عسرة المأخذ. وذلك من ثلاثة أشياء:
-1أحدها أنه لا يسهل على الإنسان أن يتدرّبَ في مجسّة العروق، دربة يصير بها إلى معرفة اليسير في النبض.
-2والثاني أنه يحتاجُ الطبيب، عند جسِّ الشريان، أن يعرف أجناس النبض كلّها في زمان يسير. وهي عشرة أجناس.
-3والثالث أن نبضات العروق ليس لها شبيهٌ يقاس به، وتتعلّم عليه. ولذلك قد يجب على الطبيب أن يرتاض في جسّ العروق زماناً طويلاً، رياضة تامّة، بعناية وفهم”. (صليبا، الأيورفيدا والطب العربي، م. س، ص147)
يذكر ابن العبّاس المجوسي في نصّه القيّم هذا ثلاثة أسباب تجعل من قراءة النبض وتشخيص المرض أو الأمراض من خلالها أمراً عسيراً لا يتقنه إلا الطبيب الحاذق وصاحب التجربة الطويلة والحسّ المرهف، أو بالحري الحكيم، والطبيب الأيورفيدي يسمّى فايديا Vaidya أي العارف أو الحكيم. وسنشرح ونناقش هذ الأسباب على التوالي سبباً إثر آخر.

الطبيب العربي ابن العبّاس المجوسي أحد روّاد قراءة النبض
1-قراءة النبض إحساس مرهف
الصعوبة الأولى هي عُسر التدرّب على جسّ النبض أو قراءته. فكما كان يقول لي أستاذي الفايديا Vaidya أو الحكيم الأيورفيدي دهارمندرا دوبي Dharmendra Dube: “قراءة النبض إحساسٌ مرهف Pulse reading is a feeling”
إنّه إحساس يجاور الحدس ويقاربه ويقترب منه. وعلى المتعلّم والمتدرّب أن يطوّر إحساسه هذا وحدسه كي يُفلح في قراءة النبض وتشخيص الأمراض والعلل من خلالها. وهذا ما لا يمكن دراسته أو تعلّمه في الجامعات والمعاهد، ولا يُكتسب إلا بالدربة والممارسة والتمرّس، وتطوير حسّ روحي وحدس ثاقب. ولا يغربن عن بالنا هنا أن الطبيب الأيورفيدي، هو أوّلاً، وكما ذكرنا، الحكيم والعارف Vaidya ولا يزال الطبيب إلى اليوم يلقّب بـ “الحكيم” بتأثير من التقليدَين الطبّيين اليوناني والهندي. فأبوقراط وجالينوس وابن سينا وابن زكريّا الرازي أي كبار الأطبّاء الإغريق والعرب كانوا أوّلاً من الفلاسفة والحكماء. وممارسة مهنة الطبّ تتطلّب حكمة. والحكمة دُربة، وتطوّر روحي وليست مجرّد علمٍ نظري.
2-قراءة النبض تتطلّب حضوراً ذهنيّاً ثاقباً
على الطبيب الذي يجسّ النبض ويقرأه أن يكون حاضر الذهن فطِناً، ومتمرّساً في استحضار مختلف أنماط النبض وأنواعه بمختلف دقائقها، ومقارنتها بنبض مريضه كي يخرج بخلاصة تشخيصية صائبة تنطبق على حالة مريضه، وتشرح وضعه، وتكشف عن حقيقة ما يعاني منه في ما هو أبعد وأكثر دلالة من الأعراض التي يعاني منها هذا العليل. وهذا لا يعني إهمالاً أو عدم اكتراث بالأعراض، بل بالحري المقدرة على تخطّي ظواهر الأعراض، لا سيما وأنّها تتشابه وتتقاطع إلى حدّ أن العديد من الأمراض تتشارك في الأعراض عينها.
النبض حركة فريدة من نوعها
ليس لنبضات العروق، والتي هي نبضات القلب عينها، شبيه. إنها حركة فريدة من نوعها، لا يتقن فقهها وتمييزها إلا من تمرّس زمناً طويلاً في قراءة أنباض المرضى، وتمييز دقائقها المرهفة.
وهنا أذكر وأتذكّر تجربتي في التدرّب على قراءة النبض في عيادات ومستشفيات في الهند في بومباي Ayushakti، وفي ريشيكش وغيرها.
كان المريض يمرّ أوّلاً على الطبيب الأيورفيدي، فيجسّ نبضه ويقرأه، ويشخّص وضعه وما يعاني منه، ويدوّن كلّ ذلك بطريقة مرمّزة وسريعة على إضبارة خاصّة بهذا المريض تُحفظ في العيادة، تعطى له قبل المعاينة، وتعاد إلى الأرشيف وتحفظ فيه قبل أن يغادر. وهي تلخّص تطوّر وضع المريض وتبيّن تواريخ المعاينات التي أجريت له والأدوية التي وصفت له، إلى ما هنالك من تفاصيل طبّية ضرورية. وبعد معاينة الطبيب الأيورفيدي، كنتُ أقوم شخصيّاً بجسّ نبض المريض عينه وقراءته، وأسجّل ما لاحظته واستنتجته على دفتر خاصّ بي. وبعد ذهاب المريض أقارن مع الطبيب الأيورفيدي بين ما كتبتُه أنا، وما دوّنه هو على الإضبارة، ونناقش وضعه سويّاً ، ونتحاور في النقاط التي التقينا واتّفقنا فيها، وفي تلك التي اختلفنا بشأنها. وإثر ذلك ألحظ وأسجّل ما أصبتُ فيه في تشخيصي، وكذلك ما أخطأت ولم أصب وطاش سهمي فيه.
قراءة نبض ألف مريض على الأقلّ
وكان أستاذي الطبيب الأيورفيدي أو الفايديا الحكيم يقول لي: أنتَ أو أيّ متدرّب آخر يحتاج أقلّه إلى جسّ وقراءة نبض ما لا يقلّ عن 300 مريض، كي نستطيع أن نقول عنك أنّك بدأت تُحسن قراءة النبض وتفلح فيها. ولن تكون قارئاً محترفاً للنبض قبل أن تقرأ ما لا يقلّ عن نبض ألف مريض وتتابع تطوّر حالة كلّ منهم، واختلاف مجسّة نبضه لمدّة لا تقلّ عن شهر.
أمّا معلّمي الطبيب من أمثال دهارمندرا دوبي Dube، وبانكاج نارام Pankaj Naram، فكان يجسّ نبض ما لا يقلّ عن مئتي مريض في النهار، وهكذا كان يتميّز كلّ ممّن تدرّبت عليه في قراءة النبض والمعاينات الأيورفيدية بتراكم معرفي وتجريبي Cumul de connaissances et d’expériences استثنائي يتيح له دقّة في التشخيص وفي وصف العلاج المناسب ومتابعة تطوّر وضع المريض.
ومن نجاحاتي في مجال جسّ النبض أذكرُ أنّني أفلحتُ في تشخيص داء السكّري وغيره. ولا أنسى حادثة في هذا المجال، إذ كنت أزور وكالة سفر وصيرفة لرجل أعمال من معارفي في نيودلهي، فأمسكتُ بيده وجسّيت نبضه، وبأقلّ من دقيقة قلت له: أنتَ تعاني من داء السكّري، فذُهل الرجل، ممّا قلتُ له، وأكّد صحّة هذه المعلومة!
إنها معرفة عملانية ثمينة لم أحسن المحافظة عليها إذ إنّها تتطلّب ممارسة منتظمة ومستمرّة.
ولم أعرض لتجربتي الشخصية في هذا المجال إلا من باب الإدلاء بشهادة حيّة وصادقة في طرق التشخيص في الأيورفيدا وفاعليّتها.
القلب والعروق لها حركة واحدة
وفي العودة إلى المجوسي فهو يشير إلى حقيقة علمية تؤكّدها الاكتشافات الحديثة: «والقلب والعروق الضوارب تتحرّك كلّها حركة واحدة، على مثال واحد، في زمان واحد، يعني أن حركة كلِّ واحد منها متساوية لحركة الآخر، لا يخالف بعضها بعضاً في جميع حالاتها، حتى أنه يمكن أن يُقاس بواحد منها، على جميعها. ولذلك صرنا نتعرّف حال حركة القلب من حركة الشريان”.
وواضح من كلام المجوسي دقّة الوصف، ووعيه لصعوبة التدرّب على جسّ النبض وقراءته. والأيورڤيدا تقول إن قراءة النبض لا تُعلّم في الجامعات والمدارس، بل تُكتسب بالخبرة والممارسة الطويلة، ما يتّفق مع قول المجوسي هنا. وقد ذهبت في التفريق بين أصناف النبض أبعد بكثير مما يقوله المجوسي، إذ ميّزت بين حوالي 350 نوعاً من النبض، كلٌّ ينبئ عن مرض معيّن.
دار بيبليون