النوم: ركن الصحّة الثاني/مقالة لمجلّة الأمن، عدد أذار 2026، بقلم أ. م. لويس صليبا

النوم: ركن الصحّة الثاني/مقالة لمجلّة الأمن، عدد أذار 2026، بقلم أ. م. لويس صليبا

الأرق مرض العصر

في مقالة العدد السابق من مجلّة الأمن (شباط 2026) بحثنا في الغذاء المتوازن، وهو ركن الصحّة الأوّل بحسب الأيورفيدا Ayurveda، أي الطبّ الهندي العريق، والمحدَّث Updated بالدراسات العلمية العديدة الراهنة. وفي هذه المقالة سنتناول الركن الثاني من مثلّث أركان الصحّة، ألا وهو النوم، وما أكثر مشاكله في أيّامنا، ولا سيما في زمن الحروب والأزمات هذا. فما الذي تعلّمه وتنصح به الأيورفيدا كي يكون نومُنا طبيعيّاً وعميقاً وصحّياً لا يعكّره أرقٌ ولا أيّة مشاكل أخرى ممّا يشكو منه الكثير من الناس في أيّامنا!! ونستهلّ بعرض موجز عن أهمّية النوم وما أجري بشأنه مؤخّراً من دراسات.

النوم العميق يُطيل العمر

تُظهر البحوث والإحصاءات العلمية أن الذين ينامون 8 ساعات يوميّاً يعيشون أكثر بنحو عشر سنوات من الذين ينامون سبع ساعات في اليوم. وهؤلاء يعيشون أكثر بنحو عشر سنوات من الذين ينامون ست ساعات في اليوم. والمعادلة الطبّية والعلمية واضحة: كلّما طالَ نومُ المرء، طال بالمقابل عمرُه، وكأنّ الطبيعة تكافئه على أوقات الغفو التي يكونُ غافلاً وغير واعٍ فيها، بمزيدٍ من سنوات الحياة والوعي واليقظة.

الأرق إثارة للجهاز السمبتاوي

وفي الأمثال اللبنانية البالغة الدلالة: “أربعة ما بيناموا: العطشان والجيعان والبردان والفزعان”. والأبحاث العلمية الحديثة تؤكّد هذه الملحوظة الشعبية الصائبة. وهي تحدّد الأرق بأنّه Excitation du système sympathique: حالة إثارة للجهاز الودّي أو السمبتاوي. إنه الجهاز المسؤول عن النشاط في الجهاز العصبي وهو الذي يُفرز الأدرينالين والكورتيزول. ويقابله الجهاز ما بعد السمبتاوي Parasympathique وهو المسؤول عن الاسترخاء والراحة والهدوء، وهو الذي يساعد ويحضّر للنوم.

ومشكلة الإنسان المعاصر الأساسية أنّه يشغّل الجهاز السمبتاوي باستمرار، ما يؤدّي إلى إثارة شبه دائمة له، في حين أنّه يسهو غالباً عن تشغيل الجهاز ما بعد السمبتاوي، وكلّ جهاز في البدن هو عموماً كالعضلة ينمو ويتفعّل بتشغيله، ويَضمُر ويكسَل ويضعُف إذا أُهمل ولم يُستخدم. وهذه الظاهرة الواسعة الانتشار اليوم هي أحد أبرز أسباب الأرق والقلق وارتفاع ضغط الدم، وهي مشاكل صحّية يعاني منها الكثير من الناس. وتفعيل الجهاز ما بعد السمبتاوي Parasympathique شرطٌ أساسي لمعالجة هذه الأمراض.

العطش والجوع والبرد والفزع أبرز أسباب الأرق

ونعود إلى المثل اللبناني: أربعة ما بيناموا، فهو يلخّص أبرز أسباب الأرق Insomnie. وأوّلهم العطشان، فلماذا يأرق؟

اللعاب أو الريق Salive يفعّل وينشّط عملَ الجهاز ما بعد السمبتاوي، في حين أن جفافَ الفمّ يحرّك ويثير الجهاز السمبتاوي، فيصعب على العطشان أن يغفو. ومن المصطلحات الشعبية اللبنانية التي تشير إلى هذه الحقيقة العلمية، قولُ اللبناني عمّن أغضبه وأثاره: نشّفلي ريقي، فإثارة الجهاز السمبتاوي تجفّف الفمّ، والعكس صحيح. وممّا يُنصح به المرء في حالة الغضب أو الخوف أو الاستياء والزعل، وكلّها انفعالات سلبية تثير الجهاز السمبتاوي وقد تسبّب الأرق أن يشربَ الماء، وينشّط حركة إفراز الريق في فمه لتنشيط الجهاز ما بعد السمبتاوي وتسهيل عملية الغفو بالتالي.

والجوع بدوره يثير الجهاز السمبتاوي، وآليّته مشابهة لآلية العطش، وصاحب المعدة الفارغة يصعب عليه النوم، ووجبةٌ خفيفة في هذه الحالة من شأنها أن تحلّ المشكلة.

النوم من أبرز أركان جهاز المناعة

تدفئة القدمين ضرورية لتجنّب الأرق

وثالثُ الذين لا ينامون البردان. فلماذا يصعب على البردان النوم؟! البرد وبالأخصّ البرد في الأطراف، ولا سيما القدمَين، يعطّل عملَ الجهاز ما بعد السمبتاوي، ولا نستطيع تفعيل هذا الجهاز إذا كانت قدمانا باردتين، وبردُ الأطراف أحد أعراض تفاقم المزاج الهوائي Vata، بحسب الأيورفيدا. وفي الإنكليزية مثل يقول: The head and feet keep warm, the rest will take no harm: دفّئ الرأس والقدمين، ولا تخشى على بقية الجسم بعد ذلك.

القدمان الباردتان مرادفٌ إذاً للقلق والأرق، وفي الإنكليزية تعبير اصطلاحي يؤكّد هذه الحقيقة العلمية: I have cold feet: قدماي باردتان، فهذا التعبير يعني تحديداً أنّني قلِق أو مكتئب. فبماذا تنصح الأيورفيدا من يعاني من الأرق؟: 1-تدليك أي مسّاج للقدمَين قبل النوم، 2-ويمكن أن يسبقه نقع أو حمّام (تمطيلة) للقدمين بماء ساخن وملح. وتَعتبر الأيورفيدا مسّاج القدمَين بمثابة تدليك لكل الجسم، ذلك أن القدمين متّصلتان بمختلف أعضاء الجسم، ومن شأن تدليكهما إراحة هذه الأعضاء وتفعيلها. 3-وممّا تنصح به الأيورفيدا أيضاً المشي التأمّلي، في المنزل لا في الخارج، وذلك لمدّة 20 دقيقة قبل النوم: مشي بطيء يمكن أن تصحبَه صلاة أو ترداد صيغة أو آية، وهو بحدّ ذاته أسلوب وقاية فعّالة وعلاج لكثير من الأمراض، ويُريح المعدة والمصارين، ويدفّئ القدمين وسائر الجسم، ويحضّر لنومٍ هادئ وعميق.

النوم ينشّط جهاز المناعة

ومن أبرز تأثيرات النوم تفعيلُ جهاز المناعة وتنشيطُه، وتحفيزُ إفراز الأوجا Ojas أو الأوج. وهو ما سنتناوله في مقالة تالية.

والنومُ أمرٌ ضروريّ للهضم الفكري، فنحن لا نهضم فقط المأكولات. بل كلّ فكرة، أو مشهد، أو نغمة تعرُضُ للفكر أو الحواس هي عُرضة للهضم أو لعسر الهضم. وهنا يبرزُ دورُ النوم كعاملٍ أساسيّ لهضم وتمثّل المؤثّرات التي صدفناها في النهار.

نصائح أخرى لنومٍ عميق

ومع أن النومَ حاجةٌ طبيعية وغريزيّة، فكثيرٌ من الناس لا يعرفون له طعماً، حتّى غدا الأرق مرضَ العصر. كلّ ذلك بسبب كثرة التشنّجات Stress، وتفاقم المزاج الهوائي.

وأحد أبرز مفاعيل النوم أنّه يحرّر المرء من تشنّجات النهار، أو بعضٍ منها، ليعود إلى مواجهة تشنّجاتٍ أخرى في اليوم التالي. إنّه وقتٌ مستقطع بين أسر وآخر، وتعبٍ وآخر، وفي ذلك يقول الصوفية: “يستريح النائم من قيود الحياة، كما يتروّح السجين ساعة في فناء السجن”. (شوقي، أحمد، أسواق الذهب، جبيل/لبنان، دار ومكتبة بيبليون، ط جديدة، 2005، ص113).

ويُستحسن أن يكون الرأس موجّهاً نحو الشرق أثناء النوم. ما يساعد على جعل النوم عميقاً.

النوم إلى الجهة اليسرى يزيد من الطاقة الشمسية. ما قد يرفع من المزاج الناري. لذا يُنصح صاحب المزاج الناري بالنوم إلى الجهة اليمنى. في حين يُنصح أصحاب كلٍّ من المزاجين الهوائي والمائي بالنوم إلى جهة اليسار.

والنوم على الظَهر قد يزيد من المزاج الهوائي. أما النوم على البطن فلا تنصح به الأيورڤيدا إطلاقاً، لأنه يزيد من تفاقم المزاجات الثلاثة.

وسبع ساعات من النوم تبدو أمراً ضرورياً للناس العاديين. وتقصر ساعات النوم عند الإنسان، بشكل طبيعي، مع تقدّمه في السن.

وتنصح الأيورڤيدا بتجنّب القيلولة بعد الظهر والغداء، لأنها تزيد من المزاج المائي. ويُستثنى من ذلك أصحاب المزاج الهوائي المتفاقم، والمرضى. ومَن سَهِر قبل ذلك بيوم.

الأحلام حالة وعي ضرورية مثل النوم واليقظة

كلمة أخيرة وسريعة عن الأحلام. فهي عامل رئيسي في هضم الأفكار والمشاهد والمؤثّرات، فعمليّة هضم الأفكار وسائر المؤثّرات التي يتعرّض لها المرء خلال النهار، لا تقلّ أهمّية عن هضم الطعام. وتؤكّد الأبحاث العلمية أن منع الإنسان من أن يحلم لثلاث ليالٍ على التوالي من شأنه أن يقضي عليه. ذلك أن الحلم حالة من حالات الوعي الثلاث الأساسيّة: اليقظة، النوم، الحلم، فكما يحتاج المرء إلى اليقظة والنوم العميق، فهو بحاجة إلى أن يحلم.

والأحلام دليل يسلّط ضوءاً على وجهنا المستور أي اللاوعي. وهذا الأخير يشبَّه بالقسم المخفي من جبل جليد في المحيط، لا يطفو منه سوى قسم بسيط.

ويستعين أطبّاء الأيورڤيدا بأحلام مريضهم في التشخيص أحياناً، فحالة النوم حالة برزخية قد تحمل الكثير الرموز وقد سعى الإنسان منذ أقدم العصور إلى “فكّ شيفرة الأحلام”، واجتهد الحكماء والعلماء والمنجّمون وغيرهم في تفسير أحلام الناس، ولا تزال الأحلام وتفسيرها مثار اهتمامٍ الكثيرين.

وقد أظهرت الأبحاث الحديثة أنّ الأولاد يحلمون أكثر من البالغين. وأنّ الجنين يبدو في حالة حلم دائمة. ما يلتقي مع ما قالته الأيورڤيدا في هذا الشأن، فالحمل للجنين هو فترة تذكّر…

ونكتفي بهذا القدْر إذ لو شئنا المزيد من التوسّع لطال بنا المقام. وفي مقالة العدد القادم سنتناول ركن الصحّة الثالث والأخير، ألا وهو حياة جنسية متوازنة، تتحاشى في آن التفريط والإفراط.

شاهد أيضاً

الغذاء المتوازن: ركن الصحّة الأوّل/مقالة لمجلّة الأمن، عدد شباط 2026، بقلم أ. م. لويس صليبا

الغذاء المتوازن: ركن الصحّة الأوّل/مقالة لمجلّة الأمن، عدد شباط 2026، بقلم أ. م. لويس صليبا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *