علم أسباب الأمراض في الأيورڤيدا/ بقلم لويس صليبا

علم أسباب الأمراض في الأيورڤيدا/مقالة لمجلّة الأمن، عدد أيار 2026، بقلم أ. م. لويس صليبا

تأثير الانفعالات السلبية على أعضاء الجسم

مثلّث مقاربة الأمراض في الأيورفيدا

في الحلقات الثلاث السابقة تَحدَّثنا عن مثلّثٍ أوّل وقائي تركّز عليه الأيورفيدا (الطبّ الهندي المتجدّد)، ألا وهو أركان الصحّة الثلاثة الغذاء والنوم والجنس، وثمّة مثلث ثانٍ يختصّ بمقاربة الأمراض ويتألّف من ثلاثة عناصر أو زوايا: 1-الأثيولوجيا Etiologie أي علم أسباب الأمراض ويعرف في الأيورفيدا بـ نيدانا Nidana. 2-التشخيص diagnostic. 3-الإنذار وتوقّع الأمراض الممكنة لتفاديها Pronostic.

الأثيولوجيا Etiologie أو علم أسباب الأمراض لا نسمع عنه الكثير في الطبّ المعتمد اليوم. وذلك رغم أن الطبيب اليوناني الشهير أبقراط (460 ق م-نحو 377 ق م) Hippocrate الملقّب بـ “أبو الطبّ” قد أطلق معادلة طبّية لاتزال قائمة ومتداولة تقول: “كلّ مرضٍ معروف السبب شفاؤه ممكن”. (صليبا، لويس، موسوعة الأيورفيدا، م. س، ص210). وهذا يعني في ما يعنيه أن معالجة أيّ مرض تمرّ حكماً في البحث والتحرّي عن أسبابه. وهذا غالباً ما يضرب صفحاً عنه الأطبّاءُ اليوم!

أمّا الأيورفيدا فتُقرّ ضمناً بهذه المعادلة، لذا نراها تولي الأثيولوجيا عناية خاصّة وتعتبرها الأساس في مجال الوقاية والمعالجة على حدّ سواء ويعرف علم أسباب الأمراض في الأيورفيدا بـ نيدانا Nidana. فإلى ماذا تعيد أسباب الأمراض؟!

الأطبّاء الهنود في بغداد

للإجابة عن هذا السؤال المركزي سنعود إلى مصنّفات ومصادر الأيورفيدا القديمة، ولا سيما ما يتوفّر منها بلغة الضاد. فقد عرفَ العرب منذُ العصر العبّاسي الأوّل، الأيورفيدا، وذلك من الناحيتين النظرية والعملية/التجريبية، إذ استقدمَ الخلفاء ولا وعلى رأسهم هارون الرشيد الأطبّاء الأيورفيديين من الهند للمعالجة، وكذلك لترجمة مصادر الأيورفيدا الأساسية إلى العربية.

وأبرزُ ما وصلنا من هذه الترجمات العربية العرضَ الذي قدّمه  علي ابن ربّن الطبري في موسوعته فردوس الحكمة في الطب. وهو أحد الأطباء المشهورين في العصر العباسي الأول. ولد في طبرستان (770م/153 ﻫ). وكان والده على ما يقول هو ”يقوم الطب على صناعة آبائه“. عمل ابن ربّن طبيباً للخليفة العباسي المعتصم ومن بعده المتوكّل. وتوفي في بغداد (861م/247ﻫ).

مقالة من جوامع كتب الهند

وما يهمُّنا نحن هنا، هو المقالة التي أفردها علي الطبري لطبِّ الهند في موسوعته الطبّية فردوس الحكمة. وهي آخر مقالة من الكتاب. وقد قسّمها إلى ستة وثلاثين باباً وعنونها: “من جوامع كتب الهند”. وهذه المقالة، كما أشرنا، ليست فقط أقدم نصّ عربي عن الأيورڤيدا وصل إلينا، بل هي النص الجامع الوحيد، أو الأهمّ على الأقل. وتعودُ أهمّيتُها إلى أن علي الطبري لخّصَ في أبوابها الستة والثلاثين مجموعَ علومِ أهل عصره عن الطبّ الهندي.

ويستوقفُنا منه ما يتعلّق بموضوعنا تحديداً أي الأثيولوجيا أو أصل الأسقام والأمراض وأسبابها بحسب تعبيره وهو يعتمد التسمية الأيورفيدية لعلم أسباب الأمراض Nidana فيسمّيه كتاب ندان (ف19، ص204). ويستهلّ عرضه كما يلي:

أصل الأمراض وفقاً لنصّ ابن ربّن

” قالوا إن الأرضَ لم تزلْ في قديم الدهرِ نيّرة، خَصبة، سليمَة، والمهابوت الخمسة معتدلة، يعني المهابوت الطبائع، وجعلوها خمسة بالريح. وكان الناس متحابّين، متوافقين، لا حرصَ فيهم ولا تباغض ولا حسد. ولا غير ذلك ممّا يُسقم الأبدان والنفس. فلما دخل الحسد جاء بعَقَبه الحرص. فلمّا حرصوا احتاجوا إلى الاجتهاد في الجمع. فلما اشتدّ على بعضهم الجمع وسهُل على بعض دخلت لذلك الهموم والفِكَر والتعب والنصب والتغالب والحرب والمخادعات والكذب. ففشت الذنوب عند ذلك. وتغيّرت المهابوت. ودخلت الأسقام. (صليبا، لويس، الأيورفيدا والطبّ العربي: دراسة في الطبّ الهندي وأثره في أرض الإسلام مع تحقيق وشرح لـ “مقالة من جوامع كتب الهند” لابن ربّن الطبري، جبيل/لبنان، دار ومكتبة بيبليون، ط3، 2019، [ط1: 2006]، ف1، ص162).

لا شك أن هذا النص، على إيجازه، عميقٌ ومؤثّر. ويحتوي لبّ فلسفة الأيورڤيدا ونظرتَها في نشوء الأمراض، وظهورها، وتفشّيها. فبما يختصّ بعلّة الأمراض، فالطبري يُصيب هنا جوهر مفهوم الأيورڤيدا لسببها. وقد أثبت الطب الحديث ما أكّدته الأيورڤيدا منذ آلاف السنين. فالانفعالات السلبية كالحقد والحسد والغيرة، والجشع كلُّها أسبابٌ مباشرة للأمراض. لا بل أكثر من ذلك، فالمشاعر السلبية، كما يلحظ علي الطبري، هي أساس ظهورها على الأرض. وهو يعود فيذكرُ في مكان آخر نظرة الأيورڤيدا لأسباب الأمراض فيورد: “قالوا إن الجهل والحقد والحسد رأس كل مرض. ولن يخلو منها كل ذي روحٍ. وأنها في لطافتها وتفرّقها في البدن شبيهة بتفرّق الدهن في السمسم، وريح الورد في الورد ” (صليبا، لويس، م. س، ف19، ص203)». يرسم علي الطبري، نقلاً عن مصادر الأيورڤيدا، مساراً كرونولوجياً متتابعاً لمراحل ظهور الأسقام. يبدأ بدخول الحسد الذي يولّدُ الحرص (الجشع)، ممّا يؤدّي إلى التسابق على الجمع والامتلاك، والذي يسبّبُ دخولَ الهموم والتعب والنصب والكذب. فتكونُ النتيجة تفشّي الذنوب وتغيّر المهابوت ودخول الأسقام.

الانفعالات السلبية سبب أكثر الأمراض

فالسبب الأول للأمراض هو إذاً الانفعالات والمشاعر السلبية. فالحقد والجهل والحسد رأس كل مرض. والمشاعر هذه، لا يخلو منها أي إنسان. ممّا يعني أنه لن يخلو من المرض. والمشاعر هذه كونها نفسيّة وتنتمي إلى العالم اللطيف لا الكثيف فهي قادرة على الوجود في كلّ أعضاء الجسم. ويعطي ابن ربّن مثلاً على ذلك: إنها في تفرّقها في البدن شبيهة بتفرّق ريح الورد في الورد. أي كما أن عطر الورد موجود في كلّ جزء وحيّز من الوردة، كذلك هي هذه المشاعر، إذ لا يقتصر حضورها على فكر الإنسان وقلبه، بل هي تتوزّع في كل ناحية وحيّز من نواحي جسمه. وهي بلطافتها، أكثر خطراً من أي سبب مادّي للأمراض.

فالأمراض الأخرى تتمركز في أعضاء ومناطق معيّنة من الجسم، أما هذه المشاعر، فيغدو بدن الإنسان بأكمله مسرحاً لها، فتتلاعب به وتسقمه. وقد اثبت العلم الحديث ما قاله الطب الهندي منذ ألوف السنين. فللمشاعر السلبية (الخوف، الغضب، الحقد، الحزن) إفرازات معيّنة في الجسم، ولها تأثير واضح في التسبّب بأنواع معيّنة من الأمراض.

فهذه العواطف السلبية هي في أساس ظهور الأمراض. والشفاءُ منها يتطلّب مجهوداً ذاتياً للتخلّص من انفعالات كهذه تُسقم نفسَ الإنسان وبدنَه. إنها حقيقةٌ أساسية ومركزية من حقائق الأيورڤيدا، أثبتت الأبحاث العلمية اليوم صحّتَها. والطبري يلخّصها لنا في نصّ يجمعُ البلاغةَ والإيجاز.

انفعالات الأمّ السلبية تنتقل إلى الجنين

والعواطف السلبية هذه لا يقتصر أثرُها على حاملها، بل قد ينتقلُ الأثرُ السلبي وراثياً من الأمّ إلى الطفل في فترة الحمل. يقول الطبري نقلاً عن كتاب جرك (شراكا): «وقال في كتاب جرك. وذكر أنه قد تكون الأمراض (…) لأنها اشتهت في حبَلِها شيئاً لم تَجدْه. أو لأنها حسدت غيرها على شيءٍ لم يكن لها مثلُه، حتى أوجعَ ذلك قلبَها. ويكونُ أيضاً من سوءِ مزاجِ الأبوين”) ف19، ص205-206).

يشير علي الطبري هنا، نقلاً عن شراكا، إلى أمر هام. فالانفعالات السلبية كالحسد، لا تؤثر على المرء وحده، بل يمكن أن تنتقل بالوراثة من الأم إلى ابنها، فالحسد، أو الخوف… أو أية عاطفة سلبية أخرى تؤثر مباشرة على جنينها، وتورثه احتمال مرض ما، أو قابلية لمرض ما، إذا لم يكن مرضاً مباشراً. وهذا أمرٌ لا تنتبه إليه الأمهات غالباً، فعلى الحبلى أن تراقب عواطفها، وأن لا تسمح للمشاعر السلبية بالسيطرة عليها. لأنها لن تسمّم بدنها فقط، بل وأيضاً جسم طفلها.

وتروي مصادر الأيورفيدا، كذلك، قصّة أمّ عمدت إلى إرضاع طفلها إبّان سَورة غضبٍ عارمة أصابتها، فتسمّم الطفل من حليب الأمّ الغاضبة ومات. كما تؤكّد هذه المصادر أنّه إذا حُقن أرنبٌ بما يُفرز جسم الإنسان الغاضب من سموم، لقضي عليه.

اختلال توازن المزاجات يسبّب الأمراض

ويتحدّث الطبري عن سببٍ أساسيّ ثانٍ للأمراض، فيقول: “وأن المرض الثاني الذي قد علم الله خلقه وعلاجه، فهو فساد الأخلاط الثلاثة الريح وجسمية وعرضية”.

والمقصود أن السبب الثاني للأمراض هو اختلال التوازن في المزاجات الثلاثة. وهذا مبدأ أساسي من مبادئ الطب الهندي Ayurveda. فلكلّ إنسان طبيعة معيّنة Prakriti مركّبة من واحد أو أكثر من المزاجات. وما دامت هذه المزاجات متوازنة، استمرّ الإنسان بصحّة جيّدة. ولكن بمجرّد تفاقم واحد أو أكثر من المزاجات هذه، تغدو صحّته مهدّدة، ويتعرّض للأمراض. وفي الطب اليوناني المبدأ عينه فالصحّة هي توازن الأخلاط الأربعة. واختلالها يؤدّي إلى المرض.

اليوغا لمعالجة اختلال توازن المزاجات

فضلات الطعام سببٌ ثالث للأمراض

ويتحدّث ابن ربّن الطبري عن سبب أساسي ثالث للأمراض، وهو الأكل، أو بالحري فضلات الطعام، فيقول: “وتكون أيضاً الأمراض من كثرة الأكل، أو قلّته، أو تناوله في غير وقته، أو على غير الشهوة له، والتخليط فيه”. ((ف19، ص204-205).

وبكلمة تحليلية موجزة لما ذكره الطبري نقلاً عن مصادر الأيورفيدا، فالطعام عامل أساسي في الصحّة والمرض. فهو نفسه يمكن أن يتحوّل إلى سمّ إذا أُكثر من تناوله، أو أُخذ في غير زمنه (كالأطعمة الحارّة إذا أكلت في فصل الحرّ). أو إذا أُكل عن غير شهوة. فشهوة الطعام مصدرها نار المعدة (Agni). وإذا ضعفت هذه النار أو انطفأت، خفّت شهوة الطعام وانطفأت. والأكل عندها لن يُهضم كما يجب، فيتحوّل إلى شوائب وسموم Ama. كذلك فإن التخليط في الأكل، أي تناول أطعمة غير متجانسة (اللبن والسمك مثلاً) يؤدّي إلى تسمّم أو عسر هضم.

ونكتفي بهذا القدر إيراداً عن الطبري في الأثيولوجيا أو علم أسباب الأمراض وشرحاً وتعليقاً عليه. ونصُّ ابنِ ربّن هذا منجمٌ من المعلوماتِ النفيسة. وهو الأثرُ شبهُ الوحيد المتبقّي بين أيدينا عن الأيورڤيدا بالعربية.

فماذا عن الزاوية الثانية من مثلّث الأيورفيدا أي التشخيص Diagnostic. هذا ما سنتناوله في المقالة التالية.

 

شاهد أيضاً

الغذاء المتوازن: ركن الصحّة الأوّل/مقالة لمجلّة الأمن، عدد شباط 2026، بقلم أ. م. لويس صليبا

الغذاء المتوازن: ركن الصحّة الأوّل/مقالة لمجلّة الأمن، عدد شباط 2026، بقلم أ. م. لويس صليبا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *