العلاقة الجنسية السليمة: ركن الصحّة الثالث/مقالة لمجلّة الأمن، عدد نيسان 2026، بقلم أ. م. لويس صليبا

العلاقة الجنسية السليمة: ركن الصحّة الثالث/مقالة لمجلّة الأمن، عدد نيسان 2026، بقلم أ. م. لويس صليبا

 

عرضنا في الحلقة الأولى من سلسلة المقالات هذه لركن الصحّة الأوّل: الغذاء، وفي الثانية للركن الثاني: النوم. وسنتناول في هذه الحلقة الركن الثالث والأخير من أركان الصحّة بحسب الأيورفيدا (الطبّ الهندي العريق والمتجدّد) ألا وهو الجنس، أو بالحري حياة جنسية سليمة تتوسّط الإفراط والتفريط.

تكوّن الأوجا من أنسجة الجسم

الطاقة الجنسية هي خلاصة الأنسجة

هدر الطاقة الجنسية سبب مباشر لضعف البدن، وبابٌ مشرّع أمام الأمراض والأسقام على اختلافها. ذلك أن الصحّة الجنسية والعافية أمران مترادفان. والطاقة الجنسية، في ضعفها وقوّتها، تعكس حالة البدن في توعّكه وسلامته.

وتولي الأيورڤيدا الحياة الجنسية أهمية قصوى. لأن الطاقة الجنسية هي خلاصة الأنسجة. وإهراق هذه الطاقة يؤدّي إلى خسارة الأوجا Ojas، أو الأوج بتعبير قدامى الأطبّاء العرب، وهي الطاقة الحيوية الأساسيّة في الجسم، ومصدرُ القوة والنشاط والمناعة والصحّة.

يقولُ سشروتا أحد مؤسّسي الأيورفيدا: «إنّ خلاصة الأطعمة المهضومة تستغرق خمسة أيام لتغذية كل نسيج Dhatu. وهكذا فلكي تصل هذه الخلاصة إلى المني، فذلك يتطلَّبُ شهراً من الزمن». ولنلحظ هنا كم يستغرق الجسم من الوقت، وكم يوظّف من الطاقة لتصنيع ماء الحياة!! والذي غالباً ما يُهرقه الإنسان ويبدّدُه عبثاً. وفي ذلك يوصي ابن سينا:

واحفظْ منيكَ ما استطعتَ فإنهُ         ماءُ الحياةِ يُراقُ في الأرحامِ

ابن سينا

كما يردّد الصوفية معادلة تقول: “في شهوة النفس شقوة الجسد” (شوقي، أحمد، أسواق الذهب، بيبيلون، 2005، ص119)، أي أن شهوات الإنسان تُسقم بدنه، وتفاقم معاناته.

نصائح الأيورفيدا للحفاظ على الطاقة الجنسية

لذا تركّز الأيورڤيدا على وجوب التوازن والاتّزان في التعامل مع هذه الطاقة الثمينة. وتقدّم في هذا الإطار، العديد من النصائح المهمّة لتلافي هدرها. ومنها:

1-الوقت الأنسب صحّياً للجماع، هو الفترة الأولى من الليل.

2-ممارسة الجنس، مباشرة بعد تناول الطعام تؤذي البدن.

3-يُستحسن بعد الجماع شرب الحليب الطازج الساخن، مع قليل من العسل. ما يساعد على استعادة النشاط وحفظ الطاقة.

4-كما يُنصح بالتبوّل، وأخد حمّام كامل بعد العلاقة الجنسية. ما يساعد على تخفيف اضطراب المزاج الهوائي.

5-يجب تحاشي العلاقات الجنسية أثناء الأمراض، لا سيما المزمنة والحادّة منها، إذ يؤدّي ذلك إلى تفاقم المرض. كما يجب تحاشيه في فترة النقاهة.

6-تختلف وتيرة القذف (عدد المرّات) التي تنصح به الأيورڤيدا تبعاً لعمر المرء أو للفصول. ويتراوح من مرّة في الأسبوع (أو اثنتين لذوي البنية القوية) للشباب ما دون الأربعين، إلى مرّة في الشهر. أما من ناحية الفصول فتنصح الأيورڤيدا بتخفيف وتيرة العلاقات الجنسية في فصل المزاج الناري (الصيف)، أولاً والهوائي (الخريف) ثانياً. لأنها تهيّج هذين المزاجين.

وتقول الأيورڤيدا بوجوب تغذية كل الحواس كي تكون العلاقة الجنسية مُرْضية: «الجنس هو أن نأكل باللسان السفلي»، يقول ڤيمالانندا (Svoboda, op. cit, p101). وسبق أن أشرنا إلى أن العضو الجنسيّ هو لسان سفلي، وفقاً للأيورڤيدا.

والعلاقة بين اللسانين تناسبية مباشرة (أو علاقة تناسب طردي)Relation directement proportionnelle . أي أن من لا يستطيع أن يكبح لسانه العُلوي، لن يكون بمقدوره أن يضبط لسانه السفلي. وهذا ما تؤكّده غالبية التقاليد الروحية.

الشراهة شقيقة الزنى

فالآفة الثانية التي تسبّبها الشراهة بحسب القدّيس توما الأكويني (خلاصة الخلاصة اللاهوتية ص335) هي الدنس. وهذا الربطُ المباشر بين الشره والزنى، سبَق لآباء الكنيسة والبرّية أن ركّزوا عليه، وحذّروا من العلاقة السببية الجليّة بين الآفتين. يوصي أبو الرهبان القدّيس أنطونيوس تلميذَه قائلاً: “إيّاك والشرَه، فإنّه يطردُ خوفَ الله من القلب والحياءِ من الوجه. ويجعلُ صاحبَه مأسوراً من الشهواتِ بالزنى، ويُضِلّ العقلَ عن معرفةِ الله (…) فلا تأكل حتى تشبع”. (صليبا، لويس، موسوعة الأيورفيدا، ط5، ص362).

والتعليم عينه نجده عند متصوّفي الإسلام، فالإمام أبو حامد الغزالي (450-505هـ/1058-1111م) يتحدّثُ في إحياء علوم الدين عن كسرِ الشهوتين: شهوة الفم وشهوة الفرج، والأولى تقود إلى الثانية فهي مصدر سائر الشهوات، يقول: “فأعظم المهلِكات لابن آدم شهوةُ البطن. والبطن على التحقيق ينبوعُ الشهوات، ومنبتُ الأدواء والآفات، إذ يتبعُها شهوةُ الفرج وشدّةُ الشبق إلى المنكوحات”. (صليبا، لويس، الوصايا الصوفية، ص133).

وقد سبقت الأيورفيدا وشقيقتُها التوأم اليوغا متصوّفي الإسلام ونسّاك المسيحية إلى الدعوة إلى ضبط اللسان العُلوي شرطاً شارطاً لضبط اللسان السفلي، تقول:

Celui qui ne maîtrise pas sa langue supérieure ne pourra pas maîtriser sa langue inférieure.

من لا يتحكّمُ بلسانه العلويّ، لا يستطيعُ التحكّمَ بلسانه السفلي. (صليبا، لويس، الوصايا العشر، م. س، ص135).

وهكذا تلتقي التقاليد الصوفية الثلاثة: المسيحية (عبر الأكويني وآباء الكنيسة) والإسلامية والهندية على ذمّ الشراهة والتحذير ممّا تجرّ من آفات ورذائل وعلى رأسها اللافطنة والزنى.

وجوب تغذية كل الحواس في العلاقة

والجنس غذاء للحواس. وحاسة الشم تأتي مباشرة بعد اللمس أهمّية، من حيث وجوب تغذيتها في العمل الجنسي. والخلايا التي تحرّك البلوغ Puberty  تنشأ أصلاً في الأنف. وتنتقل، بعدها فقط، إلى الدماغ(Svoboda, op. cit, p102).

والعديد من الأفراد الذين يشكون من اضطرابات ومشاكل في حاسة الشمّ، يفقدون الكثير من الرغبة الجنسيّة. لذا فالاستخدام المبدع للروائح العطرة، من شأنه زيادة المتعة الجنسية ونكهتها. وحاسة الشم عند المرأة متطوّرة أكثر منها عند الرجل. وتزداد هذه الحاسة قوّة في فترتي الإباضة والحيض.

وتلعب هرمونات الرائحة الموجودة في عَرَق كلٍّ من الجنسين، والتي تُلقّب بِـ Pheromones، دوراً مهماً في الإثارة الجنسية. وهي على ما يبدو تؤثر في النساء أكثر من الرجال. وهرمونات رائحة عرق الرجل هذه Pheromones تساعد في تنظيم الدورة الشهرية عند المرأة( Ibid). وقد أظهرت الأبحاث العلمية الحديثة أن النساء اللواتي يعشن مع بعضهن (كالبنات في المدارس الداخلية)، تتواقت العادة الشهرية عندهن (أي تتزامن وتقع في نفس الوقت)، وذلك بتأثير Pheromones الواحدة على الأخرى.

هذا وتعلّم الأيورڤيدا أنّ حياةً صحيّة عاطفية وجنسية مُرْضية للمرأة، هي أمر ضروري لحفظ عافيتها. وإذا ما فُقد هذا العامل، فغالباً ما تقع الأنثى فريسة اختلال التوازن الذي تنقله إلى أولادها.

اليوغا والعلاقات الجنسية

تتباين نظرتَا اليوغا والأيورفيدا إلى الجنس والحياة الجنسية. ذلك أن اليوغا في الأساس نظامٌ رهباني موجّه لمن يعيشون البتولية، في حين أن الأيورفيدا استهدفت ولا تزال أرباب الأسر Householders والذين يعيشون حياةً اجتماعية عاديّة، فيتزوّجون وينجبون.

ويمكننا القول بإيجاز وبحسب الحكيم واليوغي شري يوجندار (1897-1989) Shri Yogendra إن اليوغا والأيورفيدا المعاصرتَين تلتقيان، على أن الحياة الزوجية السليمة إذا ما قُرنت بوصايا اليوغا وأساليبها في تنقية الجسد وتطهيره قادرة أن تضارع البتولية: “ففي حين تشدّد اليوغا العملية على البراهماتشتريا أي العفّة، فهي تُقرن هذا التشديد بالتأكيد أنه من خلال التدابير الصحّية، والحياة الروحية التي يعيشها الزوجان، فمنافع اليوغا بأسرها متاحة لكليهما ”

وهنا يستشهد يوجندرا بقوانين مانو الهندية العريقة القدم، والتي تعتبر المتزوّج الوفيّ، والملتزم برباط الزوجيّة بمثابة البتول: «ليس هذا فحسب، بل يرى مانو أحد قدامى اليوغيين أننا نستطيع اعتبار الرجل المتزوّج بتولاً (برهماتشاري)، إن هو راعى العلاقات الجنسية الصحّية ضمن نطاق العرى الزوجية. وهذا ما تعلّمه الأيورفيدا بدورها إذ هنا، وفي إطار العائلة، يكون الجنس أداةً وطريقاً، وليس عائقاً”.

العفّة السلبية مؤذية مثل الإفراط

ويتحدّث شري يوجندرا عمّا يسمّيه “العفّة السلبية”. فمن يُرغم نفسه على بتولية لا يطيقها جسده وفكره ويصعب عليهما تحمّلها، فهو يحصد مضارّ الكبت، أكثر ممّا يجني فوائد العفّة، فالطاقة المهدورة في هذا الكبت القسري تفوقُ أي خسارة قد تسبّبُها العلاقات الجنسية. يقول: «عوضاً عن مجرّد العفّة السلبية، من الأفضل، ومن الصحّي كذلك، أن يُشغل المرءُ نفسَه بنشاطات جنسية طبيعية، عند الضرورة. فهذا الانشغال من شأنه أن يخفّف الإجهاد، ويقلّل من هدر الطاقة، وذلك خلافاً لما يؤول إليه إنكار الذات، وكبح النفس، وكبت الغريزة من إجهاد وفقدان للطاقة، ولكن شريطة أن نتذكّر أنه لا ينبغي أن تحصلَ أيةُ خسارة فيزيولوجية»

خاتمة

وبكلمة موجزة مكثَّفة ومكثِّفة فالأيورفيدا تلتقي مع اليوغا على مبدأ الأهمّية القصوى للطاقة الجنسية ووجوبِ الامتناعِ عن هدرها. لما يجرُّ ذلك من عواقبَ وخيمة على الصحَّتين النفسية والبدنية. فالطاقةُ الجنسية هي المرادف لـ Ojas أي جهاز المناعة في الجسم، ولا يصحُّ التفريط بها كما يفعل الكثير من الناس في علاقاتٍ لا ضوابط لها وتستنزفُ قواهم.

كما تلتقي اليوغا والأيورفيدا مع سائر التقاليد الروحية والصوفية من مسيحية وإسلامية وغيرها على الربط المباشر والعلاقة السببية بين الشره (النهم أو الشراهة) والهوس أو الإفراط الجنسي. فالأوّل يقود إلى الثاني، والعكس صحيح.

شاهد أيضاً

الغذاء المتوازن: ركن الصحّة الأوّل/مقالة لمجلّة الأمن، عدد شباط 2026، بقلم أ. م. لويس صليبا

الغذاء المتوازن: ركن الصحّة الأوّل/مقالة لمجلّة الأمن، عدد شباط 2026، بقلم أ. م. لويس صليبا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *