الغذاء المتوازن: ركن الصحّة الأوّل/مقالة لمجلّة الأمن، عدد شباط 2026، بقلم أ. م. لويس صليبا

الغذاء المتوازن: ركن الصحّة الأوّل/مقالة لمجلّة الأمن، عدد شباط 2026، بقلم أ. م. لويس صليبا

يتزايد اهتمام القرّاء والناس عموماً اليوم بالطبّ الطبيعي ونصائحه ومقارباته، ولا سيما منه الأيورفيدا أي الطبّ الهندي العريق القدم، الذي أعادت التجارب العلمية والطبّية تحديثه وتوثيق نتائجه. وقد أثبتت هذه التجارب فاعليّته في مجال الوقاية من الأمراض وتشخيصها المبكر وغير ذلك. وفي المقالات الثلاث الأولى سنتناول مثلّثاً أوّلاً في الأيورفيدا تسمّيه أركان الصحّة الثلاثة، ألا وهي: 1-غذاء متوازن. 2-نوم كافٍ. 3-حياة جنسية متوازنة. ونخصّص المقالة الأولى للركن الأوّل أي الغذاء.

المزاج الهوائي فاتا                                                 المزاج الناري بيتا

نحن ما نفكّر وما نأكل

في اليوغا مبدأ أساسي تتبنّاه شقيقتُها الأيورفيدا ويقول: We are what we think and what we eat: نحن ما نفكّر وما نأكل. وطعامُنا واختيارُ المناسب لنا منه يتعلّق مباشرة بالسببَين الأساسيّين للأمراض، وهما 1-اختلال التوازن في الجسم ومزاجاته. 2-السموم والفضلات المترسّبة في البدن إثر عمليّة الهضم ولا سيما الهضم غير المكتمل وهي ما تسمّيه الأيورفيدا Ama. والأيورفيدا توافقُ المبدأ الطبّي العربي القديم والقائل: المعدةُ بيتُ الداء، والحميةُ رأسُ كلِّ دواء. وفيها مبدأ مشابه يقول: ليكُن غذاؤك الدواء، وليكن دواؤك الغذاء. وفي الأمثال اللبنانية مثلٌ بالغ الدلالة يقول: ابن آدم بيحفر قبرو بضراسو، وفي الإنكليزية مثلٌ مشابه: Gluttony kills more than the sword: الشره يقتل أكثر ممّا يقتلُ السيف (105/3).

 

الصحّة هي توازن المزاجات في الجسم

وللأيورفيدا مقاربة خاصّة ومميّزة للأطعمة، فهي تقسّمها، بما يتوافق وينسجم مع تقسيم الأجسام والأبدان، إلى أمزجة ثلاثة: المزاج الهوائي Vata المكوّن من عنصري الأثير Akasha والهواء Air. المزاج الناري Pitta المكوّن من عنصرَي النار والماء. والمزاج المائي Kapha المكوّن من عنصرَي الماء والتراب. المزاج الهوائي مسؤول عن الحركة في الجسم، والناري مسؤول عن الحرارة، والمائي عن البنية، ولا حياة للجسم من دون حركة كالدورة الدموية، وحرارة 37 درجة مئوية، وبنية: كالعظام والعضلات وغيرها. والصحّة هي توازن المزاجات في الجسم. في حين أن اختلال هذا التوازن وتفاقم أي مزاج Aggravation يُفضي بالنتيجة إلى المرض. وهنا يأتي دور اختيار الأطعمة المناسبة. فهي أيضاً تُقسَم إلى ثلاث فئات بحسب المزاجات الثلاثة، فمن كان المزاج المسيطر في جسمه الناري Pitta، ويتناول أطعمة حامية وحرّة فسيتفاقم الناري لديه ويُتعب كبده وغيره من الأعضاء، ويسبّب لنفسه أمراضاً من فئة أمراض الـ Pitta. والأمر نفسه ينطبق على المزاجَين الآخرين Vata و Kapha. هذا بالطبع باختصار شديد. وفي كتابي موسوعة الأيورفيدا جداول مفصّلة يستطيعُ من خلالها القارئ أن يحدّدَ طبيعةَ جسمِه Prakriti وأي مزاجٍ Dosha يسيطرُ فيه، وما هي الأطعمة التي تناسبه، وما هي تلك التي عليه أن يتجنّبها أو يخفّف من استهلاكها. ولا يتّسعُ المقام للدخول في كلّ هذه التفاصيل.

المزاج المائي كافا                                                أغني: نار المعدة

فضلات الأطعمة سبب أساسي للأمراض

وهذا باختصار شديد ما يتعلّقُ بالسبب الأوّل للأمراض أي اختلال توازن المزاجات. أما الثاني فقلنا إنّه السموم والفضلات Ama. وهي بمجملها ناتجة عن عملية هضمٍ غير مكتملة. ومعظم الناس يعاني من هذه المشكلة، وهي تعود إلى ضعفٍ في نارِ المعدة Agni، وهي نارٌ غيرُ ملتهبة وظيفتُها حرق الأطعمة لهضمها وتمثّلها Assimilation، وتقول مصادر الأيورفيدا إن المفارقة الكبرى عند معظم الناس تكمنُ في أن عنصرَ النار موجودٌ في كلّ جسم الإنسان ما عدا في معدته تحديداً، أي حيث يجب أن يكون. وأكثرُ الناس يطفئُ، عن جهل، نارَ المعدة بالمأكولات الباردة والمثلّجة، وبالشراهة والتُخمة والمشروبات الغازية والكحول وغيرها.

كيف نأكل بحسب الأيورفيدا

وتولي الأيورفيدا وشقيقتُها اليوغا أهمّية قصوى لمسألة قلّما ينتبه إليها معظمُ الناس، ألا وهي كيف نأكل: How to eat. والمبدأ الأساسي هنا أن يكونَ انتباهُنا مركّزاً ومنصبّاً على الطعام، في حين أن المفارقة الكبرى تكمن في أن أكثر الناس يأكلون وهم يقومون بعمل آخر بدعوى ربح الوقت، أو الإفادة القصوى منه، كمشاهدة التلفزيون، أو المشي، أو قيادة السيّارة أو عقد الاتّفاقات أو الثرثرة وسماع الأخبار أو غير ذلك. وهي كلّها عادات سيّئة من شأنها غالباً أن تؤدّي إلى عمليات هضمٍ غير مكتملة وبالتالي تكاثر الفضلات Ama وتكدّسها في الجسم. واللافت هنا أن غوتاما بوذا بعد أن وصل إلى التحقّق Nirvana كان أوّل ما علّمه، نزولاً عند طلب الفتيان الذين كانوا يأتونه بالطعام خلال خلوته الطويلة للتأمّل، كيف نأكل ليمونة بحضور ذهني كامل: Comment manger une mandarine en pleine conscience (In mindfulness). وتُعلّم اليوغا ومثلها الأيورفيدا كيف يحوّل المرء وجبةَ طعامٍ إلى جلسة تأمّل. وأوّل شروط ذلك أن يكون الانتباه محصوراً في الطعام. سأل أحد طلّاب ومريدي الزان يوماً معلّمَه: كيف تعيشُ حياةً تأمّلية كمعلّم، فأجاب: عندما آكل، لا أفعل سوى أن آكل، وعندما أمشي لا أفعل سوى أن أمشي، وهكذا أيضاً عندما أنام. فلحِظ المريد: هذه حال كلّ الناس. فبادره المعلّم: لا بل هذا ما لا يفعله أحدٌ منهم، فهم حين يأكلون، لا يأكلون وحسب، بل يقومون بأعمال عديدة متزامنة مع تناول الطعام، فتضطّربُ نفوسُهم، ويسوءُ هضمُهم، وعندما يمشون يفعلون ذلك وهم في حال من تشتّتِ الفكر وتشوّشِ الذهن والذي يمشي بحضور ذهني كامل Mindfulness أهمّ من الذي يمشي على الماء أو في الهوء”.

نصائح عملية لتحسين طريقة الأكل

وممّا تعلّمه الأيورفيدا واليوغا في هذا المجال: 1-البدء بأخذ نفَسٍ عميق من الأنف، يليه زفير عميق من الفم. 2-الأكل والشرب في وضعية الجلوس حصراً أو التربّع إذا أمكن لا الوقوف. 3-الأكل على مهل مع المضغ الجيّد، وفي ذلك يقول المهاتما غاندي: إشرب الطعام أي أمضَغه جيّداً حتى يصيرَ شبه سائل وكُل الماء: أي مضمضه جيّداً. 4-الامتناع كلّياً عن الكلام وفي الفم طعام وإن كان قليلاً، وتجنّب الثرثرة ما أمكن. 5-تحاشي الانفعالات السلبية قبل الطعام أو خلاله كالغضب والتشنّج، وفي ذلك يقول التعبير الشعبي: “نزلوا متل السمّ عَ معدتي”، والعمل بالتالي على الحفاظ على حالٍ من الاسترخاء خلال الطعام 6-تجنّب كلِّ طعامٍ لم يحضَّر أو يوهب بمحبّة وكرم وفرح، وأكثر الناس يحبُّ الطعام الذي حضّرته أمُّهم، لأنها تفعل ذلك بحبّ. والمثل اللبناني يقول: “لقمة الكريم هنيّة ولقمة البخيل مجويّة. 7-الانتباه والاصغاء إلى أحاسيس الجسد خلال الطعام ولا سيما إشارات الشبَع.

الفطرة الصحيحة لاختيار الطعام المناسب

كما تدعو الأيورفيدا إلى تنمية الفطرة الصحيحة لاختيار الطعام Usha، والتي يفقدُها المرءُ بشراهيّتِه، فينمّي نقيضتَها Kopa. وهذه الفطرة الصحيحة نجدُها عند معظم الحيوانات، فقد دلّت الاختبارات مثلاً أن الفأر إذا كان يحتاج إلى Magnesium فسيختار أو يؤثر من المأكولات ما يجد فيها هذه المادّة. في حين أن أكثر الناس بشرههم ينمّون الـ Kopa التي تجعل مثلاً من مريض السكّري يؤثر غالباً تناولَ السكّريّات.

كما تشجّع الأيورفيدا صوم 16/8 أي تناول الطعام خلال ثمانية ساعات في اليوم والامتناع عنه في الستّة عشر ساعة الباقية، وهو تقليد بوذي عريق أُجريت عليه بحوث علمية عديدة اليوم وأظهرت منافعه.

هذا باختصار لا يُخلّ أبرز مفاهيم ونصائح الأيورفيدا في مجال الغذاء الصحّي والمتوازن، وهو ركنُ الصحّة الأوّل. وفي المقالة التالية سنتناول بالعرض والتحليل ركن الصحّة الثاني أي النوم. ومشاكل النوم عديدة عند الإنسان المعاصر، وللأيورفيدا نصائح قيّمة ومفيدة لحلّها من دون استخدام الأدوية نستعرضها ونشرحها في مقالة الشهر القادم.

 

شاهد أيضاً

النوم: ركن الصحّة الثاني/مقالة لمجلّة الأمن، عدد أذار 2026، بقلم أ. م. لويس صليبا

النوم: ركن الصحّة الثاني/مقالة لمجلّة الأمن، عدد أذار 2026، بقلم أ. م. لويس صليبا الأرق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *