مداخلة أ. د. خضر نبها في ندوة من سايكس بيكو إلى لبنان الكبير فإلى أين، جامعة AUT، الفيدار-جبيل، 15 ك2- 2026

مداخلة أ. د. خضر نبها في ندوة من سايكس بيكو إلى لبنان الكبير فإلى أين، جامعة AUT، الفيدار-جبيل، 15 ك2- 2026

الشكرُ للجامعةِ الأمريكيةِ للتكنولوجيا على هذا اللقاء، ومبروكٌ للأخِ الصديقِ الحبيبِ الدكتورِ لويس صليبا هذين المولودين.

في إحدى القصصِ التي رواها العارفُ جلالُ الدينِ الرومي بعنوانِ “الفيلِ في الغرفةِ المظلمة”، لم يكن يسردُ حكايةً صوفيةً، بل كان يشيرُ إلى المأزقِ المعرفيِّ عند الإنسانِ حين يحكمُ على الحقيقةِ من زاويةٍ واحدةٍ في غيابِ النور.

تقولُ القصةُ: في غرفةٍ مظلمةٍ كان هناك فيل. لم يكن في الغرفةِ نور.

دخل الناسُ يتحسسون جسدَ الفيلِ في العتمةِ.

واحدٌ لمس الخرطومَ فقال: إنبوب.

وآخرُ لمس الأذنَ فقال: مِروحة.

وثالثٌ لمس الساقَ فقال: عمود.

وهكذا اختلفوا جميعاً لأن كلَّ واحدٍ رأى جزءاً ولم يرَ الكل.

فقال الرومي: لو كان في الغرفةِ مصباحٌ لما اختلفوا.

قصةٌ بسيطةٌ كتبها الرومي منذ قرون، لكنها تبدو اليومَ كأنها كُتبت عن أوطانِنا الممزّقة.

منذ سايكس-بيكو إلى لبنان الكبير، دخل الجميعُ إلى غرفةِ الوطن، وكلُّ فريقٍ يتحسس لبنان بطريقتِه. هذا يراه طائفةً، وذاك زعامةً، وثالثٌ مقاومةً، لكن أحداً لم يشعل النورَ ليرى الوطنَ برؤيةٍ جامعة.

فالطائفيةُ ليست مخاوفَ بل ثروة، والزعامةُ ليست فرعنةً وغنيمةً بل خدمةٌ للوطن، والمقاومةُ ليست مشكلةً وعنفاً بل فعلُ كرامةٍ وسيادةٍ وطنية.

فإذا كان سايكس-بيكو رسم حدوداً على الأرض، فإننا نحن رسمنا حدوداً في العقول والقلوب.

وإذا كان سايكس-بيكو أورثنا جغرافيا ممزقة، فإننا نحن أورثنا أنفسنا وعياً ممزقاً، فصرنا منذ مئةِ عام نعيشُ داخل غرفةٍ مظلمةٍ من الشكوكِ والمخاوفِ المتبادلة، وكلُّ فئةٍ تظن أنها تمتلك الحقيقةَ، والحقيقةُ غابت لأن النورَ غاب.

اليوم يحاول الأخُ العزيز والصديقُ الحبيب المؤرخُ الدكتور لويس صليبا في كتابيه اللذين نناقشهما، أن يعيد وصلَ التاريخِ بالوعي، والسياسةِ بالفكر، ويطرح السؤال المؤلم: إلى أين؟

إنه يدعونا إلى أن نضيءَ المصباحَ حيث يصبح الماضي مادةَ تفكيرٍ، ويتحول الحاضرُ إلى لحظاتٍ مسؤولة. من هنا تأتي ندوتُنا اليومَ، دعوةً إلى الرؤيةِ لا اللمس، إلى التفكيرِ لا التنازع، إلى أن نرى لبناننا كما رآه المؤسسون الأوائل: حلماً يتسع للجميع، لا فيلاً يتنازعه الجميع في غرفةٍ مظلمة.

في الختام، ربما لم يعد السؤالُ: من سايكس-بيكو إلى لبنان الكبير، بل: من لبنان الممزق إلى لبنان الممكن. لبنانُ الذي لا نلمسه بأيدينا العمياء، بل نراه بنورٍ يجمعنا، نورِ الوطنِ الذي يستيقظُ فينا. آهٍ يا وطني منذ مئاتِ السنين وأنتَ تبحثُ عني وأنا أبحثُ عن أنا.

 

…………………………………

أودُّ أن أختمَ هذه الندوةَ بهذا المقطعِ العرفانيِّ كما بدأتُ. هناك في فرنسا، في قصرِ فرساي، قاعةٌ اسمُها قاعةُ المرايا (La Galerie des Glaces). هذه المرايا تُوهِمُك أو تجعلك تعيشُ بين الحقيقةِ والوهم.

فقلتُ: دخلتُ قصر المرايا مسرعاً، سألتُ الحارس: أين مرآتي؟

قال: هي عندي، هي حيث أنتَ في المرآةِ….

أسرعتُ ففتحتُ الأبوابَ، قلّبتُ الجدرانَ، فتّشتُ القاعاتِ….

وجدتُ في واحدةٍ رأسي وجنوني وانفعالاتي …

ورأيتُ في أخرى أسراري وانتصاراتي …

ووجدتُ في ثالثةٍ فكري وفلسفتي وشعاراتي …

رأيتُ عمري، ما مضى منه وما هو آتٍ…

ودّعتُ مرايا القصرِ وخرجتُ لا شيء عندي غيرُ ضعفي وانهزاماتي…

قهقه حارسُ القصرِ وقد أدرك حَيْرتي…

فقال لي: هوّن عليك، أنا أيضاً أضعتُ صورتي ولم أجد مرآتي.

المرايا تريك ما لا تريد أن تراه، وتُخرجك من الضياعِ والوهم. شكراً لكم على حضورِكم وإلى اللقاءٍ في ندوةٍ جديدة.

 

خضر نبها

15/01/2026

 

شاهد أيضاً

برنامج وتاريخ مؤتمر العلّامة بولس الفغالي الثاني في بكركي، السبت 24أيار25

برنامج وتاريخ مؤتمر العلّامة بولس الفغالي الثاني في بكركي، السبت 24أيار25 موعدنا السبت المقبل، لايزال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *