مداخلة الوزير السابق النقيب رشيد درباس في ندوة من سايكس بيكو إلى لبنان الكبير فإلى أين، جامعة AUT، الفيدار-جبيل، 15 /1 /2026

مداخلة الوزير السابق النقيب رشيد درباس في ندوة من سايكس بيكو إلى لبنان الكبير فإلى أين، جامعة AUT، الفيدار-جبيل، 15 /1 /2026

جمال هذا اللقاء أنه يعظ الحاضر بعبر الماضي، بالاستناد إلى ركيزة بحثية جدية ودقيقة وموثقة عكف عليها الدكتور لويس صليبا، باستخراج الحقائق من بطون المحفوظات الفرنسية والبريطانية.

أما النقطة المركزية فهي انتزاع اللبنانيين لوطنهم من أحشاء الاتفاق الفرنسي البريطاني، كما يدل عنوان الكتاب، حيث تتالت الوفود وتبدلت، وتغيرت الشخصيات بدءًا من داود عمون وشكري غانم  مرورًا بالمطران عبدالله الخوري وانتهاء بالبطريرك الحويك.

وكان صديق عزيز لي قد حدثني عن كتاب صادر بالانجليزية تحت عنوان  A line in the sand لمؤلفه جيمس بار James Barr، وأرسل لي ملخصًا له، فيه إضاءات عن شخصية  كل منSir Mark sykes   وفرانسوا جورج بيكو Francois Georges Picot والظروف الدولية التي أحاطت باعتماد ذلك الخط الذي رسم حدود ما خرج من سلطة الامبراطوية العثمانية بعد ان وضعت الحرب العالمية الاولى أوزارها.

يقول الكتاب المذكور إن Sir Mark sykes كان يدعي علمًا لا يملكه فعلًا: وفي اجتماع له مع بالفور ووزير الحرب كيتشنر، ورئيس الوزراء أسكويث، ولويد جورج رسم ذلك الخط الشهير بين عكا وكركوك ودعا لاتفاق مبكر مع الفرنسيين.

أما فرنسوا بيكو فقد كان مفوضًا ساميًا في سوريا وكان مشجعًا لإنشاء الكيان اللبناني ولكنه لم يقيض له أن يكون عراب ذاك الكيان بعد أن أخلى منصبه للجنرال غورو الذي تولى بنفسه ذلك الإعلان بعد تجاذبات بين اتجاهات مختلفة داخل الحكومة الفرنسية من دون أن يخلو الأمر من التباسات لجهة فكرة الفدرالية مع سوريا تحت رعاية الانتداب الفرنسي، وقد حسم البطريرك الحويك الأمر في اجتماع الديمان الشهير مع الجنرال غورو، إذ رفض كليًا أية ترتيبات سياسية تنقص من استقلال لبنان الكبير هذه المعلومة المهمة التي قبستها من كتاب الدكتور لويس صليبا، هي من ضمن سرد تاريخي رصين، يبين أن لبنان بحدوده الراهنة كان موضع موافقة أقطابه من مختلف الطوائف الذين وقعوا على ذلك للبطريرك أبان مفاوضات باريس.

في ملاحظة انتقالية، أنوه بان جورج بيكو كان يتمتع بصفات شخصية تتسم بالصدق والنزاهة، على حد ما قاله معاصروه، ومنهم الشيخ بشارة الخوري الذي  قال إنه يشعر تجاه لبنان شعور الوصي على الموصى عليه،  أما مستر “سايكس” فكان كما أسلفت مدعيًا ومتلهفًا لإنجاز مشروعه.

ويذكر أنه أخرج من نطاق الخط الذي رسمه محافظة الموصل وألحقها بفرنسا، فلما تبين أن الاحتمالات النفطية فيها عالية جدًا دفعها مجددًا إلى نطاق النفوذ الانجليزي، وهذا يدل على أن الأرض التي أصبحت سائبة بعد هزيمة الامبراطورية  العثمانية، تحولت إلى خرائط وخطوط عنيت بها الأقلام والأهواء والمطامع،

بدليل موقف الحكومة البريطانية التي ارتبطت في الوقت عينه بوعود مكماهون للشريف حسين، وباتفاقية سايكس بيكو وبوعد بلفور الذي أثبتت الوثائق الروسية- بعد الثورة البولشفية- ان الانجليز لم يكونوا ميالين في السابق لإرسال اليهود إلى فلسطين لولا أنهم وافقوا بعد هذا، استرضاء لأميركا، حيث شعروا انهم لن ينتصروا على الألمان دون مؤازرتها.

أتخطى  النبذة التاريخية  لأتساءل معكم، إلى أين، فأستأذنكم بالتوكوء على مداخلة قدمتها في النادي الثقافي العربي في تشرين الأول الماضي، قلت في مقدمتها:

عليَّ القول ابتداءً إن الطلب إلى ابن الخامسة والثمانين – الذي هو أنا- معالجة هذا الموضوع،  أدى إلى أخذي إلى وعيي السياسي المراهق والمناخات التي كانت سائدة في أوائل الخمسينيات، والتجاذب الفكري الحاد الذي كان مرتعه واسعًا في لبنان، لما يتمتع به من ميزات حرية القول، وما يزخر به من صحف ومجلات، ومطابع ومنابر واندية وجامعات، وبما هو موئل لرجال الفكر في العالم العربي كما الفنانين والمؤلفين والمثقفين.

وعلى هذا، فإن شرائح كبرى من الأجيال لم يكن همها “دولة لبنان الكبير” بقدر ما كان الحراك السياسي مشبوبًا من أجل وحدة الأمة العربية التي منَّى نفسه بها الشريف حسين، وخذله من بعد وعده ماكماهون. بعدها صار الجرح الفلسطييني بالنسبة لنا لا يصدق ولا يندمل، فبات قيام الدولة الصهيونية بحد ذاته محور النشاطات الحزبية والصراعات، وسبب الانقلابات العسكرية التي كانت قضية فلسطين تتصدر دائمًا البيانات رقم واحد، يذيعها ضباط  استيقظوا باكرًا واحتلوا الإذاعة الرسمية بوساطة بعض الدبابات.

من الظواهر التي ننظر إليها باستهزاء الآن، أن الشبق إلى السلطة كان يمزق الصفوف المفترض أنها قومية عربية، على  غرار ما حدث بين حزب البعث العربي الاشتراكي والرئيس جمال عبد الناصر، حيث لم تتوقف الاتهامات والتراشق بالعمالة وبالتواطؤ مع العدو الصهيوني وراعيته أميركا؛ أكثر ما يؤلم ان القوى القومية ذاتها، قدمت الذريعة القاتلة لإسرائيل بعد إقفال مضيق شرم الشيخ، لكي تشن علينا في السادس من حزيران 1967، هجومًا انزل بالعرب هزيمة  منكرة لا زلنا ندفع ثمنها حتى الآن.

وقد كانت مفترق طرق جوهري، أفرزت وقائع كثيرة أهمها الكفاح الفلسطييني المسلح، واتفاقية كامب دايفيد ثم وادي عربة، مع ما رافق كل هذه التطورات، من ضمور في الشعور القومي، وسيطرة الدكتاتوريات المتسترة بالشعارات الملفقة، والقمع ونمو الحركات الدينية والمنظمات الإرهابية وتدني مستوى المعيشة وتردي التعليم، وانتشار الأمية، والتفسخ المجتمعي، ورثاثة الفنون واستتباع العدالة، وتكاثر عدد الضباط من حملة الدكتوراه، وتعيين أشباه المتعلمين لرئاسة الجامعات والمعاهد العليا.

رفضنا تصديق الهزيمة، فصارت المقاومة الفلسطينية في لبنان،  وتحديدًا  بعد وفاة عبد الناصر بديلًا قوميًا وتحريرًا شعبيًا بعد أن فشلت الأنظمة في استرداد فلسطين وسقطت على حدود هزيمة 1967.

ولقد أغرى التسيب الكامل للحكم اللبناني الميليشيات إلى اقتسام نفوذ كاد يشبه الدويلات، بل قامت موانع حقيقية ديموغرافية وجغرافية بين اللبنانيين، دون أن تنعم أي من الطوائف بلحظة استقرار، فأمن المجتمع المسيحي لم يكن فوق كل اعتبار كما أثبتت التجارب، أما المناطق الاسلامية، فقد دفعت أثمانًا باهظة من جراء حروب المخيمات، وإقليم التفاح وموقعة العلمين، والانتفاضة على فتح بالإضافة إلى الى الهيمنة السورية التي تفشت في عروق الدولة .

ولكن، وبالرغم من كل ما مر ذكره، ما كاد حاجز السوديكو يزول، حتى عادت بيروت إلى وحدتها وتواصلها، في ظاهرة تدل، على أن معادلة لبنان الكبير ظلت أقوى من صغائرهم وكياناتهم الصغيرة. هذا يدعوني إلى القول إن  كيانات سايكس بيكو “المذمومة”، قد نشأت في ظلها مجتمعات تكاملت، وصارت لها بُنى سياسية ودستورية، ودورات اقتصادية متشابكة، كما اشترك سكانها بتقاليد وعادات، بل صارت الهوية الوطنية عنصرًا جامعاً رغم الحروب الأهلية، فقد ظل الكردي على هويته العراقية  أو السورية ، كذلك بقية المنتسبين إلى أعراق او مذاهب، إذ كانت الصراعات مطبوطة في أطر الدولة الوطنية حتى عهد قريب.

كنت أرى في الماضي أن حدود سايكس بيكو عصية على الذوبان في متحدات أكبر،  حيث فشلت المحاولات المماثلة فشلًا ذريعًا، أما في الأيام التي نعيشها، فإنني أرى مظاهر تفسخ تذر بقرونها في نسيج تلك الخطوط، خاصة  وأن الدولتين الراعيتين لذلك الخط كانتا تتمتعان بالنفوذ والهيمنة،  بالإضافة إلى وجود توازن دولي بين كتلتين كبيرتين.

الأمر يتغير الآن بشدة، لأن الراعيتين، خاضعتان الآن لرعاية غير حنون والاستقطاب الدولي أصبح غابرًا، والمصالح الأميركية لها ذراع قادرة في الشرق الاوسط، فإذا  قصرت فلا مانع من تدخل الجيش الأميركي.

لن أسترسل أكثر مما أستحقه من وقت ولكن اكتفي بالإشارة إلى أن ما يجري في السودان والصومال وليبيا، والعراق واليمن وسوريا، مؤشرات على أن خطوط سايكس بيكو تكاد تضمحل تحت وطأة الهيمنة الأحادية، ورغم ذلك، ما زلت أؤمن أن بمقدور لبنان أن  يستنقذ نفسه من لعبة الدومينو، ويسارع إلى ترميم ما يتشقق من جدران الكيان.

وأختم بما رواه رئيس تحرير الشرق الأوسط غسان شربل عن الرئيس العراقي الراحل    جلال الطالباني:”اختار التسوية بين الحلم والواقع، فصحة الخرائط كصحة الأفراد، تحتاج إلى صيانة دائمة على قاعدة المواطنة والمؤسسات لقطع الطريق على إغراءات القفز من هذه الخرائط.”

 

 

 

شاهد أيضاً

برنامج وتاريخ مؤتمر العلّامة بولس الفغالي الثاني في بكركي، السبت 24أيار25

برنامج وتاريخ مؤتمر العلّامة بولس الفغالي الثاني في بكركي، السبت 24أيار25 موعدنا السبت المقبل، لايزال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *