التقديس والمقدّس و التحريم والمحرّم في الإسلام، مقابلة عن بعد مع لويس صليبا، 6 نيسان 2026

التقديس والمقدّس و التحريم والمحرّم في الإسلام، مقابلة عن بعد مع لويس صليبا، 6 نيسان 2026

 

-هل ترى أن الثقافة الإسلامية عرفت من داخلها وعبر تاريخها الطويل أنماطاً من النقد لمصادرها الأساسية ونصوصها؟

بالطبع، عرفت هذه الثقافة الكثير من النقد والنقّاد والناقدين والمنتقدين. بيد أن السؤال الأبرز يبقى ماذا كان مصير هؤلاء؟!

أكتفي ببعض الأسماء، قديماً وحديثاً، وعلى سبيل المثال لا الحصر.

ابن المقفّع (106-142هـ/724-759م)، اتُّهم بالزندقة وقُتل. هو لم يجد في النصّ المقدّس إعجازاً، ورأى أن محاكاته أمرٌ ممكن.

ومثل ابن المقفّع رهين المحبسين أبو العلاء المعرّي (363-449هـ/973-1957م). كتابه “الفصول والغايات”، عنوانه الأساسي: “الفصول والغايات في محاذاة السوَر والآيات”.

وقد اشتهر عن أبي العلاء قوله في نقد نصوص الشرع والنصّ المقدّس:

إن الشرائع قد ألقت بيننا إحناً        وأورثـتـنا أفانيـن العداواتِ

وهل أُبيحت نساءُ الرومِ عن عرضٍ     للعُربِ إلا بأحكامِ النبوّاتِ

وكما أبيحت نساء الروم بالأمس، أبيحت نساء اليزيديين وغيرهم اليوم لداعش وأخواتها!!

المعرّي الضرير قديماً، وفي الزمن المعاصر ضريرٌ آخر: طه حسين (15/11/1889-28/10/1973)، وحده تجرّأ على الاقتراب من منطقة النار أي مسألة النصوص، ومذ سحب يده منها، لم يجرؤ أحدٌ على الاقتراب، ولا حتى نصر حامد أبو زيد (10/7/1943-5/7/2010) أو محمد أركون (1/2/1928-14/9/2010). أما معاصرو طه حسين أمثال عبّاس محمود العقاد (28/6/1889-13/3/1964) وأحمد أمين (1/10/1886-30/5/1954) فهم في الغالب عقل تجميعي، والعقل التحليلي والنقدي تميّز به “عميد الأدب العربي”.

وعن جرأة طه حسين هذه ومذهبه التنويري الحداثي أنشد نزار قبّاني (21/3/1923-30/4/1998) في رثائه قصيدة عصماء لا أزال أحفظ بعضاً من أبياتها، ولا سيما قوله:

إرمِ نظّارتيك ما أنت أعمى        إنّما نحنُ جوقةُ العميانِ

نحن تحديداً جوقة العميان، يقول نزار قبّاني، ويضيف في إشارة واضحة إلى التحالف القديم بين الحاكم والفقيه:

سقَطَ الفكرُ في النفاقِ السياسي       وصار الأديبُ كالبهلوانِ

يتعاطى التبخيرَ يحترفُ الرقصَ       ويدعو بالنصرِ للسلطانِ

والمفارقة الكبرى هنا جدّ فاقعة: ضريران: المعرّي وطه حسين كانا أكثر تبصّراً وبصيرةً منّا جميعاً!!

وبالطبع، فاللائحة طويلة، وتكاد لا تنتهي إن من القدماء أو المحدثين، وأكتفي بذكر الطبيب والفيلسوف الشهير محمد بن زكريّا الرازي (ت311هـ) القائل إن تضارب أقوال الأنبياء يُسقط الزعم بمصدرها الإلهي. وهذه المقولة تحديداً هي ما عبّر عنه نجيب محفوظ (11/12/1911-30/8/2006) في روايته “أولاد حارتنا” التي نال عليها جائزة نوبل، وتعرّض بسببها لمحاولة اغتيال كادت تودي بحياته. ونجيب محفوظ تلميذٌ لمفكّر مصري حرّ هو سلامة موسى (4/2/1887-4/8/1958)، تتلمذ عليه العديد من المفكّرين الحداثيين.

كيف تفسّر إذاً ظاهرة عودة عدد من المفكّرين العرب الأحرار إلى “حظيرة” الإيمان أو المعتقد التقليدي في أواخر حياتهم؟!

الإنسان المسلم عموماً إذا وجد تضارباً بين الحقيقة الدينية والحقيقة العلمية، فإلى أين يذهب؟ يذهب بالطبع وفي 99% من الحالات إلى الحقيقة الدينية خوفاً لا قناعة.

الخوف والتخويف والترغيب والترهيب أسلوب قديمٌ/حديث أتقنته الأديان ولا سيما الإبراهيمية منها والتي بنت غالباً الأخلاق وحُسن السلوك على الدين وليس العكس! تخويفٌ من النار وعقوبات ما بعد الحياة مقابل وعود برّاقة بثوابٍ وجنّات إلخ

والخوف متأصّل ومتجذّر في الإنسان، وهو أقدم الانفعالات وأكثرها تأثيراً وقادرٌ أن يطفو على السطح ويقلب حياة المرء وخياراته وقناعاته رأساً على عقب في أيّ وقت، ولا سيّما عندما يشعر بدنوّ الأجل، أو أنّه دخل في المرحلة الثالثة والأخيرة 3ème Age من حياته وعليه أن يؤدّي حساباً عمّا فعل. وعندها تعود مؤثّرات الطفولة والصبا الهاجعة لتطفو مجدّداً، والعلم في الصغر كالنقش في الحجر. وهذا ما قد يفسّر جزئياً أو كلّياً ظاهرة تحوّل مفكّر وفيلسوف وجودي مثل عبدالرحمن بدوي (17/2/1917-25/7/2002) إلى كاتب إسلامي أو حتى داعية في أيّامه وكتاباته الأخيرة. وما قد يفسّر أيضاً ظاهرة الفنّانات اللواتي يتحجّبن، وغير ذلك من ظواهر “الإيمان المتأخّر” إذا صحّ التعبير.

-هل تختلف دراسة رسول الإسلام محمّد كشخصيّة تاريخية عن دراسة غيره من مؤسّسي الأديان مثل موسى وعيسى؟

بالطبع إنها تختلف اختلافاً بيّناً من حيث الدراسة، فهي شخصية أقرب إلينا تاريخيّاً، وبالتالي فلدينا المزيد من المقدرة على تسليط أضواء كاشفة عليها والتفتيش عن معطيات تاريخية موثوقة عنها.

ولكن، ومقابل هذا القرب التاريخي، فنحن كمؤرّخين وأكادميين عندما ندرس شخصيّة تاريخية دينية كانت أم سياسية أم فكرية أم غير ذلك، فإنّما نذهب أوّلاً إلى شهادات أعدائها وأخصامها عنها. فعندما يذهب المؤرّخون إلى دراسة شخصية يسوع، وأفضّل أن استخدم الإسم الذي يعرفه أتباعه به، فهم يلجأون أوّلاً إلى شهادات المؤرّخين الرومان المعاصرين له والمعادين للمسيحية بطبيعة الحال، وشهادات اليهود ومؤرّخيهم من أمثال يوسيفوس اليهودي Testimonium Flavianum ومؤرّخي الفرس وغيرهم. هذا ما فعلته([1]) وما سبقني إليه الكثيرون ومنذ زمنٍ طويل. فعندنا شهادات عديدة من معاصرين للمسيح أو لنشأة المسيحية تتحدّث عن يسوع المسيح، وهي ما ندرس ونحلّل بالدرجة الأولى، وليس معطيات الأناجيل على أهمّيتها.

وبالمقابل فماذا عن رسول الإسلام (ص)؟!

نلقى صمتاً مطبقاً ولا نجد في الجانب المعادي لا عند البيزنطيين ولا الفرس أو غيرهم ممّن واجههم الإسلام وحاربهم أيّة شهادة معاصرة لنشأة الإسلام. هذه الحركة الدينية التي بدّلت موازين زمنها بل قلبتها رأساً على عقب، وغيّرت خارطة عصرها وجغرافية الدول لا نجد أيّة شهادة تاريخية عنها في المعسكرات المناوئة!!

وعلينا أن ننتظر حتى أواسط القرن الثاني هـ وأكثر بل حتى ق3هـ لنجد شهادات عند البيزنطيين مثلاً. وأوّل شهادة مغايرة تأتينا من داخل أرض الإسلام لا من خارجها، إنه القدّيس يوحنا الدمشقي (56-132هـ) من ق2 هـ. والصورة التي يرسمها عن رسول الإسلام (ص) وعن القرآن، وعن العقيدة الإسلامية، تختلف اختلافاً بيّناً عن الصورة النمطية التقليدية والرسمية الشائعة والمعمّمة. وأكتفي بمثلٍ واحد لضيق الوقت، وقد اخترته لأنّني درسته مليّاً في كتابي عن كعب الأحبار.

يقول يوحنا الدمشقي في سياق محاججته للمسلمين: “أنتم تقولون إنّه عندما ساق إبراهيم ابنه إسحاق كي يذبح، إلخ…”

أي أنّه يؤكّد أن الذبيح بمعتقد المسلمين أنفسهم هو إسحاق وليس إسماعيل. وهذا يناقض وينقض على خطٍّ مستقيم العقيدة السائدة اليوم والقائلة إن الذبيح هو إسماعيل تحديداً. ([2])

وما هذا سوى مثلٍ بسيط على ما يمكن أن يُستَنبط من شهادة يوحنا الدمشقي المتأخّرة بقرنٍ ونيّف عن زمن رسول الإسلام، فماذا لو وجدنا شهادات أكثر قدماً؟!

-هل يُعدّ إخضاع الشخصيّات الدينية والمقدّسة لمنهجية النقد التاريخي عملاً أكاديميّاً معرفيّاً، أم هو مجرّد مساس بحُرمة المقدّس؟

علينا أن لا ننسى بداية أن الإسلام لم يألف بعد هذه المقاربات النقدية التي تضع المسلّمات الدينية على طاولة البحث والنقاش.

هل نجد مثلاً في سيرة رسول الإسلام (ص) كتاباً من داخل الإسلام يوازي كتاب أرنست رينان حياة يسوع  La vie de Jésus(نشر 1863). رينان جادل علماء المسلمين كالأفغاني وغيره.

لا يغربنّ عن بالنا أن المسافة الزمنية بين الإسلام والمسيحية تزيد على ستّة قرون. والإسلام يحتاج إلى المزيد من الوقت لاكتساب المرونة في التعامل مع المقاربات النقدية، ولا سيما تلك الآتية من داخله. ولا يجب أن ننسى أو نتناسى هنا أن حدّ الرِدّة في الإسلام سيفٌ مسلّط على رقاب المفكّرين.

وأذكر على سبيل المثال محاولة وتجربة ابن كمّونة (ت683هـ) هذا المفكّر العقلاني الذي كتب “تنقيح الأبحاث للملل الثلاث”. درستُ محاولته هذه وحقّقتها في أطروحةٍ لي يكفي عنوانها للدلالة على مصيره المشؤوم، إذ عنونتها: “كتاب قتل كاتبه”([3]).

هذا علماً أن ابن كمّونة فيلسوف رزين يقارب مقدّسات الآخر بوقار وإجلال، وبما يليق من تقدير. فهو مثلاً لا يذكر نبيّاً كالمسيح أو محمّد إلا ويصلّي عليه.

ومقاربته تُختصر بعبارتين: إجلالٌ للمقدّسات، وبالمقابل لا مساومة ولا مسايرة ولا تدوير زوايا في طرح الشبهات ومناقشتها وفي النقد.

ورغم رزانة هذه المقاربة ورصانتها ماذا كانت النتيجة؟!

-من يملك برأيك شرعيّة رواية المقدّس: المؤمنون أم الباحثون أم المؤسّسات؟

لا أحد يملك هذه الشرعية حصراً، والأصحّ أن يقال ويُسأل: من يدّعي لنفسه هذه الشرعية، ويفرض شرعيّته، بل حقّه الحصري، في رواية النصّ وتفسيره؟

ولا يجب أن يغرب عنا بالنا هنا ثابتة أساسية في تاريخ الإسلام. الفقيه وإمام المسجد، وعالِم الدين عموماً كان موظّفاً عند الحاكم. وحتى يومنا هذا لا يزال خطباء المساجد والفقهاء وقضاة الشرع كلّهم موظّفين يعيشون ويرتزقون من عملهم هذا من الدولة أو النظام القائم. و”اللي بدّو ياكل من خبز السلطان بدّو يضرب بسيفو”، يقول المثل العامّي. ومن هنا، ولأنّه أجير، إذا صحّ التعبير، كان الفقيه أداةً بيد الحاكم، يبرّر له أفعاله وإجاراءاته وتدابيره ويضفي عليها طابعاً من الشرعية الدينية والنصّية. الحاكم هو الفاعل ويقوم بما يوافق مصلحته ويناسبه، والفقيه هو من يبرّر هذا الفعل.

-هل كان الفقيه إذاً مجرّد وسيط أو مبرِّر لأفعال الحاكم وإجراءاته؟

دور الفقيه لا يقتصر بالطبع على هذا الجانب، فللفقه موقعٌ مركزي وحاسم في المجتمع الإسلامي، وهو “دينامو” المؤسّسة الدينية المتعاونة مع الحاكم. وكي نفقه مدى خطورة الدور الذي لعبه الفقهاء على مدى التاريخ الإسلامي، لا يجب أن يغرب عن بالنا أن الحضارة الإسلامية نفسها حضارة فقه. هذا ما يقوله المفكّر المغربي محمد عابد الجابري (27/12/1935-3/5/2010). ولعلّه كان مصيباً في قولته هذه. ولنلحظ ظاهرة لافتة في هذا المجال، قلّما تُذكر أو يشار إليها. فأكثر العلوم عند العرب ضاعت مصنّفاتها ومخطوطاتها: مؤلّفات الفارابي، ابن رشد، البيروني وغيرهم أكثرها ضاع. بعض أعمال ابن رشد أعيد ترجمته اليوم عن اللاتينية!!

في حين أن مؤلّفات ومخطوطات الفقهاء كبارهم وصغارهم على حدّ سواء، وصلتنا كلّها، وبنسبة تقارب 95% وأكثر!!

ولنميّز هنا ونعاين حرص الإنسان العربي والمسلم على الفقه، وحتى في المسائل الفرعية القليلة الأهمّية، وذلك مقابل إهماله الفلسفة والعلوم التي يفتخر أنّه كان رائداً فيها. وكلمة عالِم في الثقافة الإسلامية، تعني بالدرجة الأولى عالِم الدين والفقيه. وحتى من هذه الناحية أي الفقه فقد أقفل باب الاجتهاد فيه منذ نحو ألف عام. والمفتي، أيّاً يكن، لا يُفتي إلا في الفروع حصراً، لا في الأصول. وهذا مثلٌ صارخ على التضييق الديني والفكري.

-هل وجدتَ وتجد كمفكّر أن ثمّة مواضيع ومجالات ممنوعٌ عليك البحث فيها؟

تجربتي الطويلة في هذا المجال غير مشجّعة بتاتاً.

العقل العربي عقلُ رقابة ومراقبة!!

وعندما تحدّث المفكّر صادق جلال العظم (1934-11/12/2016) عن ذهنية التحريم وجعل هذه العبارة عنواناً لأحد كتبه، لا أظنّ أنّه كان مخطئاً. الحاكم ينصّب نفسه رقيباً على ما نفكّر. وفي كلّ مَعارض الكتب في الدول العربية رقابة: هذا مسموح، وذاك ممنوع. والممنوعات تنحصر غالباً في مجالين: الديني والسياسي. وليس أمام الرقيب متّسعٌ من الوقت ليقرأ فيحكم، فيمنع: فمجرّد أن يكون اسم الكاتب لويس صليبا مثلاً، أي اسماً غير إسلامي، فليس من المستساغ، بل ليس من المقبول أن يكتب كتاباً بعنوان “معراج محمّد”([4]) أو “المعراج من منظور الأديان المقارنة”([5]). لي سلسلة من أربعة كتب في موضوع المعراج، أكثرها يُمنع بمجرّد معرفة عنوان الكتاب واسم الكاتب، وذلك رغم طابعها الأكاديمي المحض!!

وإدارات المعارض تطلب من كلّ ناشر أن يرسل قائمة وكشف تعبئة يتضمّن عنوان كلّ كتاب سيعرضه واسم مؤلّفه، وهي تمنع الكتب أو تسمح بها تبعاً لهذه القائمة.

الرقيب يودّ من “فرط حبّه لك”! أن يوفّر عليك مشقّة التفكير في الصالح والطالح من الكتب، في المناسب وغير المناسب، فهو يفكّر عنك، وهو الذي يسمح لك أن تقرأ هذا ويمنعك عن ذاك. ما يذكّر بقول الأغنية الرحبانية: “إنتَ لا تفكّر، نحنا منفكّر عنّك، إنتَ لا تتدخّل نحنا منتدخّل عنّك”.

هذا علماً أن هذا المنع المترسّخ في ذهنية التحريم لم يعد ذا جدوى فأكثر من نصف مليون عنوان كتاب عربي متوفّرة اليوم للتحميل المجّاني على النت. ورغم ذلك تتشبّث الأنظمة بحقّها المتوارث والذي تعتبره شرعيّاً في منع هذا الكتاب والسماح بذاك، وهي لا تزال تحكم بعقلية القرون الوسطى ومحاكم التفتيش أقلّه في هذا المجال.

هل من معايير أكاديمية أو علمية واضحة لنقد النص، ولا سيما النصّ الديني، وتبيان الوضع أو الزيف فيه؟

النصّ الموضوع أو المفبرك غالباً ما يحوي بداخله ما يفضحه ويبيّن زيفه.

وسأضرب مثلين على ذلك ممّا درستُ في هذا المجال.

1-الشروط العُمريّة التي نُسبت إلى الخليفة الثاني عُمر بن الخطّاب (ت23هـ)، ر، والتي عانى أهل الذمّة من مسيحيين ويهود وغيرهم منها الأمرّين في لباسهم وأماكن عباداتهم وأوضاعهم عموماً، وطيلة أكثر من ألف عام. تبيّن من دراسة نص هذه الشروط أنّه مفبرك ولا دخل لعمر بن الخطّاب بتاتاً فيه. وأحد الدلائل الذي فضح زيف هذا النصّ/الوثيقة كان عبارة “زنانير” الواردة فيه. زنانير جمع تكسير للفظة “زنّار”. بيد أنّها ليست كلمة عربية، بل هي يونانية Zonarion. ولا يمكن أن تكون قد دخلت لغة الضاد قبل العصر العبّاسي، وجُمعت بالتالي بصيغة جمع التكسير وكأنّها لفظة عربية أصيلة!

كان هذا أحد المفاتيح من الداخل لفضح هذا النصّ وتبيان أنّه من وضع الفقهاء في عصر الخليفة العبّاسي المتوكّل. وهذا ما درسته بالتفصيل في كتابي: “عهود أهل الذمّة: نصوص ودروس”([6]).

ومثلٌ آخر وأخير: حد الرِدّة الذي سقط ضحيّته ألوف القتلى، وهو حجّة السلفيين الجهاديين من داعش وأخواتها الأولى في التكفير والتفجير، فحدّ الرِدّة هذا لا أثر له بتاتاً لا في القرآن، ولا في السيرة النبوية!

وكلّ ما نجده عنه حديثٌ مسندٌ إلى عِكرمة، عن ابن عبّاس عن الرسول (ص) أنّه قال: {من بدّل دينه فاقتلوه}.

فهل من المنطقي أن يؤخذ بحديثٍ بصيغة الإطلاق هذه، والتي تعني بمدلولها الحرفي: إذا أسلمَ مجوسيّ فاقتلوه، وأذا تنصّر يهودي (أو العكس)، فاقتلوه؟!

صيغة الإطلاق التعميمية هذه تفضح ببساطة الوضع في هذا الحديث. وهذا ما درسته وتبسّطت في عرضه وتحليله في كتاب “حدّ الرِدّة ركن التكفير”([7])

وختاماً: تخلّفنا في عالمنا العربي والإسلامي تخلّف عقليّات تعبد النصوص وتتشبّث بتفسير معيّن ومحدّد وجامدٍ لها. في حين أن النصّ هو في الحقيقة حمّال أوجه، ويُفسح المجال دوماً لتأوينٍ له، أي لتأويل وتفسير يتوافق مع روح العصر.

 

«»«»«»«»«»([8])

[1] -صليبا، لويس، الإسلاموفوبيا: نحو صدام بين عالمين، بحث في علاقات الإسلام المعاصر بالمسيحية والغرب، جبيل/لبنان، دار ومكتبة بيبليون، ط2، 2018، [ط1: 2018]، ب3/ف2: يسوع في شهادة مؤرّخ عاصره: يوسيفوس اليهودي، ص245-281.

[2] -صليبا، لويس، دراسة للأثر اليهودي في الحديث النبوي، دراسة ومدخل لكتاب كعب الأحبار لإسرائيل ولفنسون، ف3: إسحاق أم إسماعيل: هويّة الذبيح في المصادر الإسلامية، يوحنا الدمشقي شهادة عفوية، ص72-74.

[3] -صليبا، لويس، كتاب قتل كاتبه، دراسة وتعليق وتحقيق لـ تنقيح الأبحاث للملل الثلاث لسعد بن منصور بن كمّونة (ت683هـ)، قدّم له سحبان أحمد مروّة، جبيل/لبنان، دار ومكتبة بيبليون، ط4، 2016، [ط1: 2009]، 582ص.

[4] -صليبا، لويس، معراج محمّد/المخطوطة الأندلسية الضائعة: ترجمة لنصّها اللاتيني مع دراسة وتعليقات وبحث في جذور نظرة الغرب إلى الإسلام، تقديم سحبان مروّة، جبيل/لبنان، دار ومكتبة بيبليون، ط4، 2016، [ط1: 2008]، 357ص.

[5] -صليبا، لويس، المعراج من منظور الأديان المقارنة: دراسة لمصادره السابقة للإسلام ولأبحاث المستشرقين فيه، تقديم أ. د. جوزف قزي، جبيل/لبنان، دار ومكتبة بيبليون، ط4، 2016، [ط1: 2008]، 409ص.

[6] -صليبا، لويس، عهود أهل الذمّة نصوص ودروس، دراسة وتحقيق لكتاب أسفار الأسرارلـِ صليبا بن يوحنا الموصلي (1332م)، جبيل/لبنان، دار ومكتبة بيبليون، ط3، 2018، [ط1: 2012]، ب4/ف5، فق: عبارة زنانير تفضح الوضع، ص165-168.

[7] -صليبا، لويس، حدّ الرِدّة ركن التكفير: بحث في جذور الأصوليّات التكفيرية في الإسلام، جبيل/لبنان، دار ومكتبة بيبليون، ط3، 2026، [ط1: 2017]، 425ص.

[8]

شاهد أيضاً

النوم: ركن الصحّة الثاني/مقالة لمجلّة الأمن، عدد أذار 2026، بقلم أ. م. لويس صليبا

النوم: ركن الصحّة الثاني/مقالة لمجلّة الأمن، عدد أذار 2026، بقلم أ. م. لويس صليبا الأرق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *