لويس صليبا/نصفُ العقل مداراة الناس: كلمة في تكريم الزميل أنطوان دكّاش، جبيل، 6 شباط 2026

لويس صليبا/نصفُ العقل مداراة الناس: كلمة في تكريم الزميل أنطوان دكّاش، جبيل، 6 شباط 2026

 

ليس المقامُ مقامَ خُطَبٍ، لا سيما وأنّنا في سهرة ترفيهيّة ولقاءٍ أخوي. وكنتُ قد عزمتُ أن لا تكون لي كلمةٌ في هذه السهرة، مفسحاً المجال للأصدقاء وزملاء المقاعد الدراسية في مدرسة فرير جبيل كي يعبّروا هم عن مشاعرهم وفرحتهم. لكنّني عُدتُ وفكّرت أن الكلمة المكتوبة وحدها تبقى تذكاراً وتؤرّخ، في حين أن اللقمة والكأس يغيبان ويُنسيان بنسيانِ طعمهما. وأيّاً يكن، فلن أطيل، وأكتفي بإشارات توضيحيّة سريعة لا بدّ منها.

مطبعةٌ بلغت اليوم عامها السبعين. أسّسها إميل دكّاش في العقيبة سنة 1956، ومنذ نحو نصف قرن وزميلنا الحبيب أنطوان دكّاش يعملُ بجِدّ في حقل الطباعة. من مساعدٍ لوالده إميل، إلى المسؤول الأوّل عن المطبعة، ومن أدخلها عصر التكنولوجيا الفائقة التطوّر لتنافس كبريات المطابع بآلاتها وجودة إنتاجها. عناوين الكتب التي طبعتها تُعدّ بالآلاف، ويصعب على طوني إعطاء رقمٍ دقيقٍ لها. ويبقى طابع الكتاب المسيحي والروحي غالباً.

ولكن وكما يقول المثل الفرنسي Un train peut cacher un autre: قطار قد يُخفي آخر. فوجه أنطوان دكّاش محترف الطباعة قد يحجب وجه الكاتب والشاعر في هذا الرجل النشيط والطموح. وعسانا في هذه الجلسة القصيرة نسلّطُ أضواءً على كلا الجانبَين في مداخلات موجزة.

كان من المفترض والمقرّر أن يَنعَقِدَ هذا اللقاء الأخوي في واحدٍ من التشرينَين الماضيين 2025. لكن رغبة زميلِنا الراحل طوني قزحيا الخوري في المشاركة به أخّرت هذا الانعقاد. وها نحنُ نلتقي بعد رحيله، ولعلّه يرمقُنا بحنوٍّ ورضى من العلياء. ورحيلُ حبيبِنا طوني خوري ومشاركتُنا في توديعه المؤثّر رسّخ فيَّ القناعة بوجوب عقد هذا اللقاء التكريمي وذلك عملاً بالمبدأ الذي أعتمدُه والقائل: “وردةٌ واحدة تُهدى لامرئ في حياته، خيرٌ من باقات ورود توضعُ له بعد وفاته”.

ما يجمعنا هذه الليلة إذاً هي لفتةُ تكريم وعرفان بالجميل لواحدٍ منّا ألا وهو زميلُنا محترف الطباعة أنطوان إميل دكّاش، والمناسبة الإهداء الموجّه له، والذي توّجَ آخر كتابٍ صدر لي، وفيه أقول: إلى أنطوان الدكّاش، القارئ المثقّف ومحترف الطباعة: ترافَقْنا وتقاسمنا مقاعدَ الدراسة منذ نحو نصف قرن، ولا نزالُ رفقاء وأصدقاء ونُصحاء وأودّاء، ذلك لأنّك يا طوني خلٌّ وفيّ، في زمنٍ صار فيه هذا الصنف من البشر، ويا للأسف، من المستحيلات الثلاثة كما يقول المثل العربي القديم”./

ولا أزال أحتفظُ في مكتبتي بكتيّبٍ طُبع في مطبعة طوني ووالده الطيّب إميل، وأهدانيه في السنة الأخيرة التي تقاسمنا فيها مقاعد الدراسة في فرير جبيل، وقد صدّره بالكلمة اللطيفة التالية: ليبقى قلبُك نبعَ الطهارة وهيكلَ القداسة. ولتبقى مُثُلك العليا نوراً يضيء طريق مستقبلك ويذلّل صعوبات الحياة أمام أهدافك السامية.             أنطوان إميل دكّاش في 6/4/1977

كم هو مؤثّرٌ وبليغ هذا الإهداء ومفعَمٌ بالعاطفة الصادقة. وطالما قلتُ وكرّرت أمام رفيقي الحبيب طوني: بانصرافك وتكرّسك للعمل في مطبعتِك، ربحنا حرفيّاً ماهراً في إعداد الكتب وإخراجها، لكنّنا بالمقابل خسرنا أديباً يؤلّف الكتب. وتنضيدُ الحروف والكلمات شغَلَكَ عن تسطيرها وتدبيجها!

وأيّاً يكن، فإن لم تصِرْ أديباً يا طوني، كما انتظرنا وتمنّينا لك، فقد كنتَ ولمّا تزل الأديب المتأدّب في دماثتِك وابتسامتِك الساحرة وكلماتِك الطيّبة، وحُسن مداراتك للآخرين. وفي الأمثال العربية القديمة: نصفُ العقلِ مداراة الناس. ومن أقوال حكيمٍ عربي آخر: “عليكَ أن تلبَسَ الناس على أخلاقِها، وليس عليكَ ترقيعُ أخلاقها”. (شوقي، أحمد، أسواق الذهب، ص115). لكأنّك كنتَ يا طوني تعملُ فطريّاً بهذه الوصايا النفيسة حتى وإن لم يكن لك عِلمٌ بها! فكلّما ذكرتُها تذكّرتُك، فهي تلخّصُ جانباً مهمّاً ومضيئاً من أدبِ حياتِك وخُلُقيّتِك.

لماذا نكرّم طوني دكّاش هذا المساء، قد يسألُ سائل. والجواب بسيط وبديهي:

أوّلاً لوفائه. وهي خِلّةٌ فيه تذكّرني بقولٍ لبوذا: “الصحّة أعظمُ نِعمة، والرضا أعظمُ ثروة، والوفاء خيرُ علاقةٍ بالآخرين”. (صليبا، لويس، هكذا علّم بوذا، 23/4). وفي الأمثال العربية القديمة: المستحيلات ثلاثة: العنقاء والغول والخِلّ الوفي. وطوني إن صحّ القول من خامة آخر وثالث المستحيلات، وهو ما أشرتُ إليه في الإهداء الآنف الذكر. وفي سياق هذا الوفاء، وهذا التكرّس للعمل والخدمة للآخرين أذكر ما أخبرنيه أستاذي الراحل المونسنيور العلّامة بولس الفغالي إذ روى: “سألني مدير المكتبة والمطبعة التي توزّعُ كتبي معاتباً:

-لماذا لا تطبع كتُبك عندنا. فأجبته للتوّ ببساطة:

-إنتو فيكن تجيبولي دواياتي كلّ شهر؟! فيكن تاخدوني مطرح ما عندي محاضرة أو رياضة روحية، وتنطروني تـ أخلص، وتردّوني عَ البيت؟!

وباختصار فيكن تأمّنولي كلّ هالخدمات اللي بيعملها طوني الدكّاش؟!

وختم الفغالي روايته: وعندها سكتَ السائل، ولم ينبس ببِنتِ شفة”.

وكان العلّامة الفغالي يُبدي دوماً إعجابه بجودةِ العمل والطباعة المتقنة التي يؤمّنُها طوني. هذا إضافة إلى ما يسديه إليه من خدماتٍ أخرى مجّانية. وكان يعتبره ويعامله كابنٍ له. هذه شهادة العلّامة الفغالي فيك يا طوني وقد سمّيته أنت: “حارس كلمة الله”. وقلتَ في مقالة عنه: “منذ خمس وعشرين سنة وجرس الهاتف في المطبعة يبدأ بصباح الخير مع الخوري بولس، وها نحنُ اليوم نحتفل بيوبيله الكهنوتي الخمسيني، وبعد كلّ هذه السنين، ما زال جرس الهاتف، رغم تبدّل نوعه وصوته، يَفْتَتحُ نهاره مع المونسنيور بولس ومع البونجور اللطيف”/ (دكّاش، أنطوان، الخوري بولس الفغالي حارس كلمة الله، كتاب “ونحن نشهد”، بيروت، الرابطة الكتابية، 2012، ص166). رِفقةٌ دامت أكثر من ثلاثة عقود كنتَ فيها يا طوني الابن الروحي البارّ لهذا المِلْفان الجهبذ ولمّا تزل إلى اليوم التلميذ الوفي له والجندي المجهول في المؤتمر الذي نعقُده كلَّ سنة في بكركي على اسمه وتخليداً لذكراه. أدامك الله بهذه الهِمّة وهذا الوفاء يا ابن الأصول.

وثانياً: فهذا التكرّس عند أنطوان دكاش، وهذه المجّانية في العطاء وهي شبه منقرضة اليوم، تذكّرني بوصيّة أخرى لبوذا تقول: “من يُعطي دون الرغبة في الأخذ هو الرابح الأكبر، ومن يأخذ دون أن يُعطي هو الخاسر الأكبر”. (صليبا، لويس، هكذا علّم بوذا، 28/2).

وهذه اللهفة الدائمة التي اعتدناها منه للقاء الأصدقاء والزملاء القدامى، والمتابعة لشؤونهم وأخبارهم تحمِل بعضاً من الدفء إلى القلب، أو بحسب التعبير الفرنسي المتداول: ça fait chaud au coeur

وثالثاً: فمطبعة دكّاش، أو دكّاش برينتنغ هاوس ش م م-عمشيت، وكما أسلفنا، مطبعةٌ عريقة أغنت المكتبة العربية واللبنانية والمسيحية بنتاجها وما أخرجت آلاتها من كتب، وأكتفي بذكر بعض النماذج: 1-تاريخ كشف النقاب عن قرطبا والأنساب، تأليف الأب أغوسطين سالم السخن ر ل م (1891-1965)، طُبع في 24 حزيران 1963. 2-فلسفة كلّفتني دمي للفيلسوف الشهيد كمال يوسف الحاج (1917-1976)، جمعه وقدّم له أستاذنا د. الياس ديب الحاج، وصدر سنة 1978، أي بعد سنة واحدة من مغادرتنا مدرسة فرير جبيل، وقد موّل طباعة هذا الكتاب زميلنا متى سعادة. 3-مؤلّفات العلّامة المونسنيور بولس الفغالي تولّت دكّاش برينتنغ هاوس طباعة أكثر من مئة عنوانٍ منها. 4-مؤلّفات ومنشورات المطران عاد أبي كرم، ومنشورات جامعة البلمند، وغيرها الكثير.

وفي الخلاصة، فتكريمُ طوني الدكّاش هذا المساء، مجرّدُ بادرةٍ متواضعة هو، وسعيٌ كي تبقى هذه القيَم الإنسانية حيّةً فينا. وفي حقيقة الأمر، فصديقٌ وزميلٌ من هذه الخامة النفيسة نتكرّمُ نحن به. والسلام

شاهد أيضاً

Korku: Duyguların Kraliçesi ve Farklı Maskeleri / Lwiis Saliba’nın Zoom’daki Dersi, Çarşamba, 18 Haziran 2025

Korku: Duyguların Kraliçesi ve Farklı Maskeleri / Lwiis Saliba’nın Zoom’daki Dersi, Çarşamba, 18 Haziran 2025 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *