لويس صليبا/ كلمة في رحيل الصديق الحبيب طوني خوري، 27/12/2025
ألقيت في صالون كنيسة مار ماما، حبوب-قضاء جبيل، السبت 3 كانون الثاني 2026
لكم تمنّيتُ وصلّيتُ أن لا أقفَ هذه الوَقفة الصعبة بل العسيرة، لأرثيك، أو بالحري لأبكيكَ يا طوني خوري أيّها الرفيق والصديق والحبيب الغالي.
هاتفْتُك قبل أيّام من دخولك المستشفى (29/10/2025) فأخبرتني أنّك ستدخلُها قريباً لإجراء بعض الفحوصات ليرى الأطبّاء إذا ما كان جسمُك قادراً على تحمّل عملية قلبٍ مفتوح. وكعادتك، وبأسلوبك المألوف الذي يعبّر عن أقسى الحقائق والوقائع بكلمة طيّبةٍ معسولة تُخفي بحلاوتها طعمَ المرارة قلتَ لي: الكبد تعبان وبيقولوا عم يشمّع، وضحكتَ. فنقلتَ إليّ خبراً مُفجعاً، لم أشعر بفداحته إلا بعد أن أقفلتَ أنتَ الخطّ. فجعلتُ أُسائل نفسي كيف فاتتني خطورةُ الوضع، وأنا الذي يعلمُ علمَ اليقين أن إصابةً في الكبد كهذه هي حتماً قاتلة. إنّه أسلوبُك المرِح يا طوني في سردِ أسوأ الأخبار بظُرفٍ وشيء من الفُكاهة. هكذا عهدناك في مشوارِنا الطويل المشترك على مقاعد الدراسة، وهكذا عِشتَ دوماً، وهكذا رحلتَ. وما كانت الحياة على ثِقلِها في عُرفك سوى لُعبة ومزحة.

وإذ أدركتُ خطورةَ الموقف مباشرة إثر إقفالك الخطّ، ارتسمَتْ في مخيّلتي سحابةٌ سوداء، شعرتُ فيها أن ضحكتَك التي نُقلت إليّ عبر الأثير، كرقصة العصفورِ مذبوحاً من الألمِ هي. ورأيتُ نفسي واقفاً أرثيكَ وأبكيك. بيد أنّني سرعان ما كذّبتُ هذه الرؤيا، ونسبتُها إلى سوداويّة تفاقمت عندي في هذه الأيّام البائسة، وطفقتُ أتلقّفُ الأخبار عنك في محاولة يائسة، باحثاً فيها عمّا يكذّبُ هذا الحدس الذي كان وقعُه بثِقلِ الجبال عليّ.
يوم رحلَ والدُك قزحيا الخوري، قلتَ لي أنا جِدُّ ممتنٍّ لك لأنّك نبّهتني منذ سنواتٍ ثلاث إلى وجوب القدوم باستمرار إلى لبنان لأرافقَ والدي في أيّامه الأخيرة ما استطعتُ إلى ذلك سبيلاً، وأفيه بالتالي نَذراً يسيراً ممّا له عليّ من دَين. وسأبقى مواظباً على المجيء إلى الوطن لأرافقَ أمّي أميرة، وقد أتعبَتْها الأيّام وجاوزت الثمانين. وما كنتَ تدري، ولا كانت هي تدري أنّها هي من سيرافقُكَ في أيّامكَ الأخيرة، ويجوزُ سيفُ الحزن في قلبها حسرةً عليك وأسى لفقدانك.
طوني: دربٌ طويلة مشيناها معاً، ترافَقْنا على مقاعد الدراسة في فرير جبيل وثانوية الوردية. وعُدنا لنلتقي في باريس. وكان حضورُك دوماً فألَ خيرٍ لي، ومجلبةً للحظّ السعيد. يومٌ قضيناه سويّاً في باريس (في التسعينات) زوّرتُكَ فيه مختلف معالمها، لمّا يزل طعمُ حلاوته في فمي وكأنّه حدث أمس البارح.
لورد Lord أنطوني كنّا أحياناً نسمّيك، لنُبلٍ في خُلُقك، ونزعةٍ دائمة للفكاهة عندك. ولا تزالُ بعض تعابيرك التي كنتَ تخلطُ فيها الجدّ بالمزاح راسخة في الذاكرة رسوخَ ذكراك ووجهِك الباسم فيها. “نفسيّتك مرتاحة تعا من فوق” كنتَ تكرّرُ على مسامعِنا هذه النصيحة. وعبارةٌ أخرى: “ويلٌ لتلك الأجيال الصاعدة”، كنتَ تردِّدُها في حدسٍ ثاقب لما سيحلُّ بهذا الوطن الحبيب، وقد ألبستها، كشأنك دوماً، ثوباً من المُزاح، غلّفْتَ فيه مرارةً سنتجرّعُها كأساً من العلقم.
ظُرفُكَ كان رفيقُكَ الدائم، يتبعُك كظلِّك، فلا يحضرُ طوني خوري إلا ويحضرُ معه الفرحُ والمرح. أضحكتنا دوماً، ومن فرطِ ما ضحكنا لنكاتِك ولرفقتِك الودودة الطيّبة، أبيتَ إلا أن تُبكيَنا في النهاية، ومن يضحكُ كثيراً لا بدّ له أن يبكي أخيراً. فهي حال الدنيا يومٌ لكَ ويومٌ عليك. ولم توفّر حتى نفسك موضوعاً للضحك والتندّر، وكأنّك تستلهم وصية الحكيم القائل: “على المرء أن يضحك دوماً من نفسه، وأن ينتقد ذاته، وأن يخلع عنه ثوب الجدّية بينما هو يتصرّف على أفضل نحوٍ من الجدّية في العالم، وأن يقول لنفسه إنّنا لسنا في الحياة، وفي نهاية المطاف، سوى أناسٍ أمام طواحين هواء”. Joumblat, Kamal, pour le Liban, Paris, 1978, pp236-237

أيّها المصوّر الذي دأب منذ الصبا على تصوير أفراح الناس وأتراحهم، وتخليد ذكرياتهم وحفرها في الذاكرة وطبعها في الوجدان. شاركتهم حبورهم وشجونهم ذاكراً قول الكتاب: {إفرحوا مع الفرحين، وابكو مع الباكين} (روما 12/15)، ومحتفظاً في الحالتَين بفرحك الداخلي. ومن كلّ ما صوّرت تبقى لنا اليوم بسمتُك التي تشعشع في المخيال، وضحكاتك التي ترنرنُ في البال، أحلى صورة، وأجمل ذكرى.
أيّها المهندس الذي هندَس لقاءتِنا، وعمّر سهراتِنا، وعمِرت به وبمرحه ونكاته جلساتُنا.
أيّها المهاجر الذي كابد عذابات الهجرة، ومعضلات الغُربة، وأوجاع الفراق والبُعد عن الوطن والأحباب، كم واجهتَ من صعوبات، وجابهتَ من مشقّات اشعلَتْ ناراً في الكبد، وحفرت شيئاً فشيئاً، وعلى غفلةٍ منك، رِمْسَكَ لتُلحدك التراب في بلاد الاغتراب، وها أنت توارى الثرى بعيداً عنّا وعينك شاخصة أبداً نحونا.
طوني أبكرتَ في الرحيل. وبرحيلك المبكر هذا ها نحن نستذكر مرّة أخرى خاطرة للفيلسوف مارتن هايدغر (1889-1976) Heidegger تقول: “حالما يولد الإنسان، يكون قد هرِمَ بما فيه الكفاية كي يموت”. (سعيد، جلال الدين، معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، تونس، دار الجنوب، 2007، ص406)
كنتَ قد وعدتنا أن نجتمع في دارتِك في حبوب مرّة رابعة، في مطلع هذه السنة، لنرحّبَ بك عند قدومك المزمَع إلى لبنان، كما كان دأبُنا في كلّ سنة. فإذا بنا، ويا لسخرية القدر، نجتمعُ لا لنلقاك، بل لنودّعك الوداع الأخير. وها نحن نقول لك يا حبيبَنا طوني خوري، وفي العين دمعة، وفي الحلقِ حسرة، وفي القلب غصّة: سلّم على من سبَقَكَ من جيلنا ودورة فرير جبيل 77، Promo ها قد بدأ جيلُنا يغادر، وقد قارب العددُ بغيابك عددَ أصابع اليدين. وبعضُهم قضى نحبَه قبل أن يمضيَ والداه، وأنت منهم، وذلك كي تزيدَ حرقةُ الأمّهات.

عزاؤنا بمن خلّفتَ بعدك من أبناء، عساهم يرثوا بعضاً من اجتهادِك وكفاحك، فيتابعوا المشوار. وتعازينا لمن يَبكيك اليوم من أمٍّ ثكلى وإخوةٍ وأخوات، وقد كنتَ لهم خيرَ سندٍ وجناح.
وماذا أقولُ بعدُ يا طوني. عاشِرْ من تعاشر، لا بدّ من الفراق، يقول المثلُ العربي، ولكلّ بداية نهاية. كانت وصيّتُك لنا، لا سيما عندما كُنْتَ تجمعُنا في بيتك كلّ سنة، أن نفرحَ ونتقاسمَ البسمةَ والضحكة. واليوم إذ تدمعُ عيوننا أسى وحزناً على الفراق، يبقى في النفس شيءٌ من الفرح الذي عشناه معك. إنّه أملُ اللقاء، وفرحُ القيامة الذي نرجوه لك ولنا أجمعين. آمين.

دار بيبليون