لويس صليبا، “إخترتُ لبنان لأنه بلد المسيح”، كلمة في ذكرى الأخت جاكلين PetitJean، دير الميلاد الإلهي، اللقلوق 14 أيلول25
{ها أنذا آتٍ لأعملَ مشيئتَك يا الله} (رسالة العبرانيين10/9)
آبائي الأجلّاء، أحبّائي أصدقاء الأخت جاكلين PetitJean Jacqueline

مثوى الأخت جاكلين PetitJean في دير الميلاد الإلهي في اللقلوق/جبيل-لبنان
في مقابلةٍ أجريتُها معها ونشرَتها مجلّة الأمن عدد أيلول 2019 قالت جاكلين كلمة أثّرت في الكثيرين، وحرّكت المخيال الجماعي التاريخي المسيحي، وعرفت انتشاراً واسعاً ورواجاً ألا وهي: “اخترتُ لبنان لأنّه بلد المسيح”. وأضافت: “البلد الذي نذهبُ إليه يصيرُ وطنُنا، ونحبُّه كما لو أنّه موطنُنا الوحيد. فشعارُنا في جمعيّتنا أنه عندما تسوءُ الحالة في البلد الذي نحن فيه نبقى فيه ولا نرحل، فهو في هذه الحالة يكون بأمسّ الحاجة إلينا، وهو وطنُنا بالفعل، لذا لم أفكّر بتاتاً أن أتركَ لبنان”. ونظراً إلى ما لقيت هذه المقابلة من اهتمام، عمدتُ إلى إعادة نشرها في كتابٍ لي([1])
وفي مقابلة أخرى مع الأخ أندريه دولالاند Frère André De Lalande رئيس مدرسة الإخوة المريميين/الفرير، جبيل (مجلّة الأمن، ع ك1/2018) قال كلاماً مشابهاً إذ أكّد: “إخترتُ لبنان لأنّه أرضُ قداسة، وأضاف: التقيتُ في مدينة تورين/إيطاليا بالإخوة المريميين الفرنسيين الذين خدموا في لبنان، وهربوا مع بداية الحرب العظمى من بطش الأتراك. وكانوا يخبرونني عن تاريخ لبنان، وتجذُّرِ المسيحيين في أرضهم منذ مئات السنين، رغم ما لقوا من اضطهاد. فأحسستُ بالتضامن معهم، وبالشوق إلى التعرّف إلى هذا البلد الصغير وأرضِه المقدّسة التي وطِأتها أقدامُ يسوع وأمِّه القدّيسة، كما قرأتُ عن جبل لبنان وعرفتُ أنه موطنُ النسّاك والحبساء والرهبان، فهو إذاً أرضُ قداسة وقدّيسين، فاخترتُ أن أعيش في لبنان وأخدمَ اللبنانيين”([2]).
الأخت جاكلين والأخ أندريه هما إذاً من روّاد ما يمكن أن نسمّيَه :الحركة المعاكسة”، بقيا في لبنان في حقبةٍ حربٍ طاحنة 1975-1990 قتلت البشر ودمّرت الحجر وأحرقت الشجر، وفي زمنٍ مأزوم كان اللبنانيّون فيه ينامون على أدراجِ السفارات، ولا سيما الفرنسية منها، طمعاً في الحصول على فيزا والسفر والهجرة([1]). والمفارقة الكبرى تكمن في أن الأخ أندريه استوحى للمجيء إلى لبنان من تجذّر المسيحيين في أرضهم منذ مئات السنين!!
وطالما تفكّرتُ في هذه الظاهرة اللافتة: ألا وهي تقديسُ صفوةٍ من مسيحيي فرنسا للبنان، وخيارُهم في العيش وتقديس أنفسِهم فيه. وقد تبيّن لي بعد بحثٍ طويل أنّ لهذه الظاهرة جذورٌ تاريخية تعودُ أقلّه إلى القرن السابع عشر وما قبله. الحبيس الفرنسي الأب فرنسوا دي شاستوي (1588-1644) François De Cahsteül كان عالماً في الكتاب المقدّس، ومتقناً اللغة العبرية. قدم إلى لبنان عام 1632، وتعلّم اللغتَين السريانية والعربية، وأقام في دير مار سركيس في إهدن، ثم في دير مار أليشاع في وادي قنّوبين حيث توفّي ودُفن، ولا يزال ضريحُه مقاماً يزورُه المؤمنون هناك. وقد طارت له في حياته شهرة واسعة بين الموارنة، حتى فكّروا بانتخابه بطريركاً عليهم خلفاً لصديقه العلّامة جرجس عميرة. لكنّه رفض هذا المنصب. مؤثراً أن يُكملَ حياته في العُزلة والوحدة”.([3]) وقد رويتُ قصّته وتاريخه في مصنّفٍ آخر لي.
وسار على خُطى دي شاستوي عددٌ آخر من الشبّان الفرنسيين الباحثين عن القداسة: “في سنة 1668، أي بعد سنتَين من نشرِ سيرة حياته، اقتفى آثار دي شاستوي أربعةُ شبّانٍ من فرنسا، وطلبوا من البطريرك جرجس البسبعلي أن يقبلَهم في عِدادِ النسّاك الموارنة. فنزِل البطريرك عند رغبتهم، وسكنوا في محبسة مار شلّيطا قرب كفرصارون، وفي محبسة مار أنطونيوس المنقورة في الصخر فوق دير قنّوبين” (شربل رفيقنا الصامت، ص55-56).
وقد أرّخ لدي شاستوي وللنسّاك الفرنسيين الأربعة البطريرك الطوباوي أسطفان الدويهي (ت1704). وروى بعضاً من سيَرهم في كتابه تاريخ الأزمنة.

الأخت جاكلين (إلى اليسار) تحتفل ببلوغ والدتها مادلين (إلى اليمين) عامها المئة
وكان شعارُ دي شاستوي آية الكتاب المقدّس: {ها أنذا آتٍ لأعملَ مشيئتَك يا الله} (رسالة العبرانيين10/9). وكم هو رائعٌ ومعبّر وعميق الدلالة هذا الشعار. ويُقال في علم البيان: البلاغة هي مطابقة المقال لواقع الحال. وهو في الحقيقة شعارٌ رفعه ليس دي شاستوي وحسب، بل كلُّ الذين حذوا حُذوه وآخرهم الأخت جاكلين PetitJean: هؤلاء الآتين من بعيد، ومن وراء البحار، وبالاتّجاه المعاكس لهجرة اللبنانيين، قدموا ليعملوا مشيئةَ الربّ، في موطن أرز الربّ، وجبل القداسة.
جاكلين إذاً جزءٌ من تقليدٍ فرنسي عريق وقديم في المجيء إلى لبنان للعيش في جبل النسّاك والأرض التي وطِئتها أقدامُ يسوع ومريم. والعمل لتقديس الذات لأجل العالم ولبنان.
وهذا العمل الدؤوب لتقديس الذات عند جاكلين كنتُ شاهداً على بعضٍ منه. فكنتُ أراها أوّل الواصلين إلى الكنيسة، وحتى في أزمنة الزمهرير والثلوج، وآخر المغادرين، إذ تبقى في حالٍ من التأمل والصلاة لوقتٍ طويل بعد نهاية الرُتب، وكم حاولتُ مراراً وتكراراً الوصول قبلها إلى هيكل الربّ، والمغادرة بعدها، وأقرّ أنّني غالباً ما لم أفلح في ذلك.
وأذكرُ أنّني، وفي يوم صقيعٍ وثلوج من أيّام كانون، (3ك2-2012) بقينا وحدنا أنا وهي في الدير، إذ غادر الرهبان في نشاطٍ لهم. فكانت فرصة ذهبية لي حاورتها فيها، وروت لي قصّة حياتها، ومسارها الروحي، وخيارها في المجيء إلى لبنان والعيش فيه، وما الذي يعنيه هذا البلد لها، وقرارها هي وأمّها في بيع بيتهما في فرنسا لبناء هذا الدير: دير الميلاد الإلهي.

الأخت جاكلين مع والدتها مادلين
أمّا والدتها مادلين PetitJean Madelaine التي عاشت قرناً وسنوات من الزمن، فأكتفي بشأنها بما رواه لي الأب عيسى فرنسيس إذ قال: أتيناها ذات يوم بقطعة جبن بسيطة وقدّمناها لها هدية، فسُرّت بها وقالت ممتنّة شاكرة: Vous me gâtez trop أي أنتم تدلّلوني كثيراً.
وكانت هذه القصّة المعبّرة مدعاة تأمّل وتبصّر لي: هذه المرأة الكبيرة عمراً وقدراً التي باعت بيتها لتشتري بثمنه أرضاً لبناء الدير تستكثر هديّة بسيطة وزهيدة الثمن من رهبانه، وتعتبرها تدليلاً لها. فسبحان الله، إنها مثال المرأة التي تبني ولا تمنّن، والوردة التي يفوح عطرها وتكاد لا تعي ذلك.
وأختمُ بما قالته جاكلين عن شراء أرضِ هذا الدير: بعد مشاورة الإخوة في الجماعة الرهبانية، وكنّا يومها لا نزالُ نسكنُ في الأرز، قرّرتُ أن أبيعَ بيتنا. فطلبتُ من ابنة عمّي أن تهتمّ بإخلائه، وبعنا منزلنا في فرنسا سنة 1994، وحوّلنا المالَ كلَّه إلى لبنان. واشترينا بالمال المحوَّل من فرنسا أرضاً في اللقلوق في أيلول 1996 وعليها بُني الدير الحالي أي دير الميلاد الإلهي”.
وتُضيف جاكلين: “وكانت أمّي تخصّصُ كاملَ الراتب الذي تتقاضاه من الدولة الفرنسية كأرملةِ ضابطٍ في الجيش الفرنسي لإكمال البناء. وأذكرُ أنّنا كنّا ندفعُ ثمن الحجارة، وسائرِ موادِّ البناء، من معاشِ والدتي”.
بيتٌ يباع في فرنسا ليُشترى به أرضٌ لديرٍ في لبنان، وراتبٌ شهري يُدفع لشراءِ حجارةِ الدير. إنها أمثولةٌ كبرى لنا تخلّدُ ذكرى الحبيبة جاكلين.
واليوم الأخت جاكلين بوتي جان ووالدتُها مادلين ترقدان معاً بسلامٍ في أرض هذا الدير المبارك، أي برّية الثلوج شتاءً، وفي طرواة الطقس المنعش صيفاً لتصيرا تراباً لهذه الأرض التي أحبّتا. فلتكونا أُسوةً صالحةً لنا في عيش القداسة وتقديس الذات، والتمسّك بأرض القداسة هذه، ولتكن صلاتهما معنا آمين.

الأخت جاكلين توارى الثرى في حديقة دير الميلاد الإلهي/اللقلوق وسط الثلوج في شباط 2025
[1] -صليبا، لويس، لمحات في تاريخ لبنان الحديث 1850-1950، جبيل/لبنان، دار ومكتبة بيبليون، ط2، 2023، [ط1: 2021]، ب4/ف2: الأخت جاكلين ودير الرهبان المتوحّدين، ص331-344.
[2] -صليبا، لويس، لمحات، م. س، الأخ أندريه دو لالاند ومدارس الفرير: وساما أرز على صدره وهو وسامٌ على صدر لبنان، ص307-330.
[1] -أتيحَ لي صيف 1990 أن أُمضي ليلة عند صديق يقطن منزلاً بالقرب من السفارة الفرنسية في الحازمية/بيروت. وشهدتُ في تلك الليلة ما أثار فيّ العجب. كان اللبنانيّون من طالبي الفيزا إلى فرنسا يتقاطرون بالقرب من السفارة وعلى أدراجها الخارجية منذ ما قبل الساعة الرابعة صباحاً، ويوزّعون على بعضهم بعضاً أوراقاً تحمل أرقاماً بالتتالي، كلٌّ حسب وقتِ وصوله، فما أن تحين الساعة الثامنة، وقبل أن تفتح السفارة أبوابها، حتى يكون عدد الواصلين من اللبنانيين قد تجاوز ما يمكن للقنصلية الفرنسية أن تستقبل من طلبات في ذلك اليوم، فيقال لمن أتى بعد ذلك انتهى الدور، وعليك أن تأتي في يومٍ آخر. ثم يشرعون في الدخول بالتتالي وبحسب الأرقام التي وُزّعت قبل الفجر. وهكذا كان وقت الانتظار حتى تسنح لكلّ منهم فرصة الدخول إلى القنصلية لا يقلّ عن خمس ساعات!!
وعندما سافرتُ إلى فرنسا في ك1/1991 كانت نصيحة كلّ من عرف بسفري: لا تنسى أن تعمل أقصى ما يمكنك للحصول على فيزا (تأشيرة دخول) إلى أميركا من السفارة الأميركية في باريس. ومن فرطِ ما ألحّ عليّ الأصدقاء والأقرباء لأفعل، وجدتني ذات يومٍ مساقاً إلى هذه السفارة لأقدّم طلباً للفيزا، رغم أنّني لم أكن بتاتاً في وارد السفر إلى الولايات المتّحدة!! وبعد أن حصلتُ على هذه الفيزا، تبعتُ نصيحة الأصدقاء والأقرباء، فتقدّمتُ بطلب فيزا إلى كندا، وحصلتُ عليها. وبعدها بفترة، وإذ صحوت وأدركتُ لاجدوى ما فعلتُ، ضحكتُ من نفسي: لِمَ تكبّدتُ مشقّة الذهاب إلى كلّ من هاتين السفارتَين، وتكلّفتُ دفعَ مصاريف الفيزتَين، وأنا لا أفكّر بتاتاً في السفر إلى أيّ من هذين البلدَين؟! ألمجرّد التمتّع بمنظر التأشيرتَين على جواز سفري؟! إنّه مرض النورموز Normose الذي يتحدّث عنه علم النفس: أي أن يفعل المرء ما يفعله الآخرون لمجرّد أن يشعر أنه طبيعي Normal، كأمثاله من الناس، وذلك كمن يتابع ويحضر مباريات كرة القدم لمجرّد أن يرى الآخرين يحضرونها، أو كمن تلبس زيّاً وفسطاناً يخدش الحياء والحشمة لمجرّد أن الأخريات يتبعن الموضة عينها.
[3] -صليبا، لويس، شربل رفيقنا الصامت: حكاية قداسة عنوانها الصمت مع مدخل إلى تراث النسك الماروني، جبيل/لبنان، دار ومكتبة بيبليون، ط6، 2026، [ط1: 2009]، ب1/ف1، تراث النسك والصمت الماروني من مارون إلى شربل مروراً بـ دي شاستوي، ص47-57.
دار بيبليون