كيف نحوّل وجبة طعام إلى جلسة تأمّل؟ نصائح اليوغا وعلم النفس، محاضرة لويس صليبا على Zoom، الأربعاء 7 أيار 2025
“الأسباب النفسية لزيادة الوزن”
هذه المحاضرة مستوحاة في خطوطها العريضة من كتابٍ قيّم تأليف كارين كوينغ Karen Koenig، وعنوانه مترجماً إلى العربية “الأسباب النفسية لزيادة الوزن”
النمط الطبيعي ينقض الأنماط القسرية والانفعالية والتقنينية
تنطلق المؤلّفة في كتابها “الدسم” والموسّع هذا من حقيقتين علميّتين:
1-إن 98% من متّبعي الريجيمات الغذائية يزداد وزنهم مجدّداً في المستقبل ويعود إلى ما كان عليه قبل اتّباع الحميات.
2-إن فكرة اتّباع ريجيم قاسٍ في الأكل ليست سخيفة وحسب، بل هي أيضاً فكرة خطرة عاطفيّاً ومدمّرة صحّياً.
ولكن ما البديل؟ تستند كوينغ إلى تجربتها الشخصية، وكذلك إلى اختصاصها كمعالِجة نفسية وخبيرة في مجال التغذية. وهي تدعو إلى ما تسمّيه “النمط الطبيعي في الأكل”، وذلك مقابل:
1-النمط القسري: الذين يأكلون بشراهة وبدون انتباه
2-النمط الانفعالي: الذين يلجأون إلى تناول الطعام كلّما شعروا بانزعاج.
3-النمط التقنيني: الذين يتّبعون حمية قاسية. (ص20-21).
فردّاً على أهل النمط الأوّل أي القسري تقول (ص128): “يجب أن أفكّر بالطعام الذي آكله، وأُصغي إلى جسمي أثناء الأكل، لأن الطعام قد يكون مؤذياً فقط إذا تناولته دون وعي، وتعدّيتُ في أكلي حدّ الامتلاء والاكتفاء”
وردّاً على أهل النمط التقنيني تذكر (ص128): “الامتناع عن الأكل، أو تناول ما لا يكفي من طعام هو أسلوب غير صحّي للحصول على جسمٍ نحيف”.
المشاعر المزعجة لا تختفي بالأكل!
أمّا أهل النمط الانفعالي فتتبسّط في الردّ عليهم، وممّا تذكر (ص129-130): الأكل طريقة غير نافعة لمعالجة الألم العاطفي أو الانزعاج النفسي، والفراغ العاطفي لا يمكن ملؤه بالطعام”. وتضيف شارحة منبّهة من يتّبع النمط الانفعالي (ص156): “تذكّر أن المشاعر المزعجة لا تختفي من خلال الأكل أو ممارسة النشاطات، بل تختبئ فقط. وعند عودة هذه المشاعر المزعجة ستشعر بالخيبة والحزن والخوف. ولكن يجب أن تتذكّر حينها ما تعرفه جيّداً، وهو أنّه من الطبيعي أن تعاودك المشاعر المختبئة خلف الانشغال”.
ولأنّها في الأساس معالِجة نفسانية ومن المدرسة الإدراكية السلوكية CBT التي عرضنا مراراً لمبادئها، تتوقّف المؤلّفة مطوّلاً عند الانفعالات والمشاعر السلبية شارحة ناصحة وواصفة الطرق الناجحة والناجعة والمجرّبة للتعامل معها. وأوّل ما تلحظه (ص162): “إن السبب الأوّل في استصعابك لتقبّل المشاعر غير المريحة هو أنّك مبرمج على الانجذاب نحو المتعة، والابتعاد عن الألم”.
ضرورة أن نعي رغباتنا وننفصل عنها
وهذه البرمجة حقيقة بديهية، لكنّنا قلّما نفطن لها. فنحن نهرب غالباً بل دائما من المعاناة والألم، ولكنّنا نهرب بالحري عندها نحو الألم كما تقول اليوغا، ذلك أن الهرب غير مجدٍ في هذه الحال، و”لا ينفعُ حذر في دفعِ قدَر” يقول المثل العربي القديم. وتلحظ المؤلفة كوينغ في هذا المجال (ص177): “عندما نتوقّف عن محاولة الهرب من ألمنا العاطفي، فسيكون باستطاعتنا أن نتحكّم به، عوضاً عن أن نتركه يتحكّم بنا”.
وهنا تستشهد الكاتبة المحلّل النفسي والطبيب النفساني البريطاني ر. د. لينغ (7/10/1927-3/8/1989) Ronald David Laing القائل: “إن مساحة الألم كبيرة في حياة الإنسان، ولعلّ الألم الوحيد الذي يمكن تجنّبه هو ألم المحاولة العبثية لتجنّب الألم”.
ولأن المدرسة الإدراكية السلوكية قريبة جدّاً من علم النفس البوذي وتستلهمه في الكثير من علاجاتها فالمؤلّفة تستشهده مراراً وفي هذا السياق تحديداً تنقل عنه (ص178): “تقول البوذيّة إن إحدى الطرق لتقليل المعاناة تتمثّل في وعي رغباتنا والانفصال عنها، وبإمكاننا أن نقرّر ماذا نرغب، وبالتالي كم سنعاني”.
أهمّية الاستواء والتسامح مع المشاعر السلبية
وهنا تربط كوينغ بين المشاعر والانفعالات ولا سيما السلبية منها، والتعاطي الأنجع معها وتأثير كلّ ذلك على علاقة الإنسان بالطعام وصحّته تحديداً (ص188-189): “إن التوازن العاطفي والتعامل الحكيم مع المشاعر يعنيان أن تكون متسامحاً بالتساوي مع المشاعر الجيّدة والسيّئة. وأن تكون متقبّلاً لها بالتساوي أيضاً”
وهذا ما تسمّيه البوذية تحديداً الاستواء والاتّزان Equanimité. وتتابع المؤلّفة: “الألم والمتعة هما جزءان من الحياة، ويجب أن نحتضن كليهما لنتمكّن من عيش حياة جيّدة وصحّية، ولنتمكّن من تجنيب علاقتنا بالطعام أي اضطراب! وأحياناً لا يكون المَخرج من الألم إلا في تقبّله والمصالحة معه”.
وفي حقيقة الأمر فإن رفضنا للألم غالباً ما يزيد منه، فمقاومة الشيء تغذّيه، وهذا لا يعني بتاتاً أن نمتنع عن التداوي والعلاج كما تعلّم الحكيمة البوذية تنزين بالمو، ولكن عندما لا يكون من الألم مفرّ فلا بدّ من تقبّله، والمصالحة معه تعليمٌ أساسي في البوذيّة.
وتواصل كوينغ بحثها (ص190): “المشاعر ليست حقائق ولذلك أستطيع تغييرها بتغيير معتقداتي، وتعلُّمي لكيفيّة التعامل مع مشاعري يحتاج إلى الوقت والمهارة والممارسة والصبر والتعاطف مع نفسي”.
المطواعية إزاء المشاعر: عشها ودعها تتلاشى!
وطالما كرّر حكماء البوذية: “كن رحوماً مع كلّ الناس دون أن تنسى نفسك”. والمؤلّفة في تعاملها مع المشاعر والانفعالات تعتمد علم النفس البوذي الذي يوصي أنها أفكار ومهما بلغ عصفها عتوّاً فلا بدّ في النهاية أن ينحسر. إنه قانون التغيّر الدائم Anicca الذي تتحدّث عنه البوذية وتُسهب في توصيفه، تقول كوينغ (ص193): “إن أفضل شيء ممكن أن تقوم به فيما يختصّ شعوراً معيّناً هو في الغالب أن لا تفعل شيئاً على الإطلاق. الهدف هو أن تتعلّم أن تعيش مشاعرك، أي أن تُقرّ بها، ثم أن تتركها تتلاشى (…) المشاعر تطفو ثم تختفي، تنتفض ثم تتلاشى. الأمر الوحيد الذي يمكنك أن تفعله هو أن تنفتح على حركتها الذي هو سيل هذه المشاعر. وهذه المطواعية أمام المشاعر يمكن أن تمثّل عملاً في غاية الصعوبة إذا كنتَ من المنتمين إلى ثقافة ردّ الفعل، أي البحث الفوري عن حلّ للمشكلة”.
يقول بوذا: “جاوب ولا تنفعل”. وما تسمّيه الكاتبة الانفتاح على حركة سيل المشاعر هو ما تلخّصه القاعدة التي استنّها الحكيم البوذي Ji Qong: “واجه واسترخِ فتجد نقطة توازن جديدة”.
وتعيد كوينغ التذكير والتأكيد على وجوب مراقبة المشاعر والانفعالات دون إدانتها (ص195): “امتنع عن إصدار الأحكام على مشاعرك، وعوّض عن هذا بالتعاطف معها، وحبّ الاستطلاع”.
«»«»«»«»«»([1])
[1] –
دار بيبليون