ميشال أبو جودة وعصر الصحافة الورقية الذهبي في لبنان 1953-1992/محاضرة لويس صليبا في ندوة في معرض الكتاب العربي/بيروت، الأحد 18أيار2025 (نسخة موجزة وبدون هوامش)
عندما طُلب منّي أن أشاركَ في هذه الندوة، كان أوّل ما خَطَرَ لي السؤال التالي: ما الذي يبقى اليوم من الصحافي الرائد ميشال أبو جودة وعمودِه اليومي الملتصِق مباشرةً بالحدث الآني والمحلّي والمتمحور حوله؟
وبالتالي ما فائدةُ إنسانِ اليوم في لبنان ودنيا العرب من عمودٍ أو مقالة كُتبت منذ نحو نصف قرن وتمحورت حول حدث أو خبرٍ ما، عفا عليه الزمن؟!
عرفتُ ميشال أبو جودة شخصيّاً في تمّوز-آب 1988 يوم عملنا في لجنة أصدقاء العميد ريمون إدّة، وكان مكتبُنا الرئيسي في فندق الكارلتون حيث يقيم أبو الميش أو ميشو كما كنّا نسمّيه تحبّباً. وكان، وهو المُحبُّ للعميد والمتحمّسُ لانتخابه رئيساً للجمهورية يومها، يزورنا باستمرار، ويسألُنا عن المستجدّ والجديد، ويخبرُنا بدورِه ويُبلغنا ما يعرفُ من جديد.
وعرفتُه ثانياً قارئاً له ولعموده اليومي حيث يحلو للمرء استكشاف الحدث وسَبرَ أغوارِه على ضوء قراءة أبو جودة له وتحليله لأبعاده وما قد يجرُّ من تداعيات.
بيد أنّني، والحقّ يقال، لا أستطيعُ أن أدّعي أن هذه ولا تلك كانت معرفة حقيقيّة لهذا الصحافي الفذّ والجهبذ. فأنا لم أعرفْه عن كثبْ، وكما يليقُ ويجبْ إلا مؤخّراً عندما عملتُ مؤرّخاً لحقبة وتجربة الرئيس الأمير فؤاد شهاب والتي أصدرتُ مؤخّراً عنها كتابي “فؤاد شهاب ما له وما عليه”
درستُ في هذا الكتاب عدداً من مقالات أبو الميش ولا سيما أربعة منها تتعلّق بحدث معيّن واحد ألا وهو اغتيال النائب والوزير السابق نعيم المغبغب في 27 تموز 1959.
ولن أذكرَ ما جاء في دراستي تلك التي بلغت نحو 40ص تحاشياً للتكرار! وأكتفي بما تعلّمتُه واستخلصته من هذه التجربة الدراسية والأكاديمية. فقد تبيّن لي أنّه كي تفهم الحدثَ في تلك الحقبة، لا بدّ من العودة إلى عمود أبو جودة، ليس لمعرفة كيف قرأَ الحدث وفهِمه يومذاك وحسب، بل كذلك الإفادة من طريقتِه المبتكرة في استشرافِ الآتي والتحذير من التداعيات والمخاطر والمطبّات من خلال فهم الحدث ووعي أبعاده.
أدركتُ مثلاً أنّه لا يمكن أن يؤرَّخ لحادث اغتيال نعيم المغبغب بمعزلٍ عمّا كتبه أبو الميش لحظة هذا الاغتيال في مقالته الشهيرة “في حمى الأمير”. فهذه المقالة بما تضمّنت من وصفٍ دقيق ومؤثّر وتلميحات وإيحاءات وترويس خيط إضافة إلى مقالتَي “أوامرك أيّها القضاء”، و”وزير بالرغم منه” هي التي جعلتني أفقه ذاك الحدث وخطورته وأبعاده وبعضاً من تداعياته.
ومن هنا يمكننا القول: مقال أبو جودة يساعد على فهم الحدث في زمن الحدث، بيد أنّه لا يُعين على تحليلِ الحدث وحسب، بل هو بالأحرى ضروري كي نُحسن التأريخ له. ومن هنا فمقالُه اليومي يُقرأ باهتمام في ذاك اليوم، كما يُقرأ اليوم وكلَّ يوم لفهمِ الحاضر على ضوءِ تجارب الأمس الواجب أن تبقى ماثلةً في وجداننا. ولا تصحُّ كتابةُ تاريخ ذاك الأمس في ظلّ جهلِ أو تجاهل ما كتب ميشال عنه.
أبو جوده يفكّكُ الحدث، يعرُضه ويرويه لك مثل فيلم وثائقي بالسيناريو الذي يكشف تفاصيل لم يتمّ التركيز عليها، أو قُصد أن لا تُسّلط عليها الأضواء وتبقى خفيّة، أو هو بالحري يعمل كالميكانيكي الذي يفكّكُ السيّارة بمختلف قِطَعها ليكشف عن مكمن العطل، ثم يعيد الجمع والتركيب في سبيل استئنافٍ سليمٍ للمسارْ وغير محفوفٍ بالمخاطر.
ومثلٌ على ذلك، من بين أمثلة أخرى عديدة، مقالة “في حمى الأمير” وقولُه في أسلوبٍ إشاريٍ بليغ يلمّح إلى المسؤولين عن اغتيال مغبغب: “قتَله الهدوء. كان الهدوء شاملاً إلى درجة أن دماءه أُهرقت على ثياب رئيس الأركان. إلى درجة أن قائد الجيش عاد إلى بيروت يتحسّسُ يدَه الحارّة. قبل العِصيّ والرصاص كانت يدُ القائد تصافحُ يدَ القتيل. صافحه عدّة مرّات وكأنّه يطمئنُه. كان يودّعه”.
يُشعرك توصيفُ أبو جودة الدقيق والمؤثّر أنّه خَبِز الحدث وعجَنَه، عركه وتعارك معه، عاشه من جديد وعايشه، وأعاد تركيبه بعد أن فكّكَه وكشفَ عن مكمنِ العُطل فيه.
وطالما استوقفتني هذه الشفافية والرؤية الواضحة التي نستشفّها في الكثير من مقالات أبو الميش، وتساءلت إلى ماذا تعود؟!
أبو جودة، وخلافاً لكثير من أقرانه، بل خلافاً لزميله ورئيسه، لا يكتب على ضوء مصلحة شخصية أو طموحٍ إلى السلطة، أو رغبة في الوصول إلى الحُكم والمشاركة فيه. والرغبةُ تُعمي يقول غوتاما بوذا، ويضيف: وهكذا فالنشّال لا يرى من القدّيس، وإن فقيراً مدقعاً كان، سوى جيوبه”.
يبقى أبو الميش على مسافة وشيء من الحياد تجاه موضوعه والحدث، فينظرُ إليه تارةً كالناظر إلى الجبل من السهل، فيراهُ بمختلفِ أبعادِه وتعرّجاتِ طُرقه، ويعاينُ ما لا يقعُ عليه نظرُ من يرمُقُه من القِمّة. كما ينظرُ إلى الحدث طوراً كمن ينظرُ من قمّة الجبل إلى السائر في السهل، فيعرفُ سلفاً بما سيمرُّ به من تعرّجات وتقاطعات وأكواع وغيرها، بل يعرف حتى إلى أين سيصل، في حين تبقى هذه الأمور خافية على هذا السائر نفسه. ومثلٌ على ذلك ما كتبه في 24/10/1963 إبّان طرحِ مشروعِ وحدةٍ بين سوريا والعراق، إذ قال أبو جودة مستشرفاً ومنبّهاً محذّراً: “أمّا نحنُ في لبنان، فعلينا أن نُثبِتَ، إذا كنّا عقلاء، أنّنا تعلّمنا كلَّ شيء، ولم ننسَ شيئاً. وعلينا الآن، وقبل فوات الآوان، أن نتدارسَ الأحداثَ كلَّها، وأن نتصرّفَ بكلّ تعقّل… وأن نجنِّبَ الوطنَ الصغير أيّةَ مضاعفات، فهو أمانةٌ في أعناقنا. وعلينا أن نحافظَ عليه بالعقل والحكمة، كي لا نَضطرَّ للدفاعِ عنه بالقوّة. فالرأيُ قبلَ شجاعةِ الشجعان”.
والعبارة الأخيرة من بيت شعرٍ للمتنبي كان يحلو ل”أبو الميش” أن يردّده. وهذا البيت في الحقيقة يوجزُ ويلخّص ويكثّف تجربة هذا الصحافي الفذّ. ولو قرأ السياسيّون عمودَه، وتنبّهوا وتجنّبوا بعضَ ما حذّر منه، لجنّبوا الوطنَ الصغير الوقوع في الكثير من المطبّات التي رآها أبو جودة بأمّ العين، وفاتهم هم توقُّعُها. ولو قرأنا نحن اليوم ما كتبه منذ أكثر من نصف قرن لجنّبنا بلدنا الكثير من الويلات التي كنّا بغنى عنها وآخرها الحرب الضروس التي أقحمنا أنفسنا ووطننا فيها!
فما الذي يبقى من أبو جودة إذن في زمن تقاذفِ التُهم والمعاركِ الكلامية داخلَ التلفزيونات وفي ما بينها. وفي زمن أصبحَ فيه كلّ مواطن مالكاً لوسيلة إعلامية عبر صفحته على الفايس بوك وغيره من وسائل التواصل؟!
يعلّمُنا أبو الميش أن نعايشَ الحدثَ ونعيشه، ونبقى في آن على مسافة منه كي نستطيع أن ننظر إليه بوضوح ونحن وسط معمعته كما الناظر إلى القمّة من السهل، أو الناظر إلى السائر في السهل من القمّة. وذلك في مقاربةٍ لميشال ودودة تفاعلية، وغير انفعالية، وإذا كانت قد أفلحت في أن تبقى على مسافةٍ ما، فلأنّها لا تبحثُ عن مصلحةٍ خاصّة، أو استغلال شخصي للحدث، كما نشهد اليوم في غالبية وسائل الإعلام. فأبو جودة مثلٌ مضاد contre exemple لإعلاميي اليوم وجشعهم إلى فردوس السلطة أو طمعهم بالمنافع. لم يدخل أبو الميش هذا الفردوس، لا بل هو أكثر من عانى من تداعيات الحدث وصدقيّة عرضه له، من حادثة التعدّي بالموس كانون الثاني 1959، إلى واقعة الخطف 3 تموز 1974. وميشال أبو جودة هو بحقّ وجدارة العينُ التي قاومت المِخرز في هاتين الحادثتين وغيرِهما، ولم ترهبْها الصدمات، واستمرّت في المقاومة حتى آخر أيّامها.
ويستوقفنا هذا التماهي بين ميشال ومقالِه اليومي، بل وحتى تصل بنا الدهشةُ إلى حدّ التساؤل: من يكتبُ من؟ ميشال أبو جودة أم عمودُه؟!
وهذا تحديداً ما دفع مَنح الصلح إلى القول: “لا شيء اسمُه ميشال أبو جودة، إنّه إشاعة، هناك عمود”.
وميشال نفسه لا يُنكر ذلك، بل يؤكّده في قوله: “العمود سجنٌ كبير، أكتُبه طوال الأربع والعشرين ساعة لا كلَّ أربع وعشرين ساعة. بسببه أقرأُ الجميع في لبنان والبلاد العربية ومعظم الكتابات الخارجية. وكنتُ ولا أزال أعرقُ خوفاً من خطأ الاستنتاج. وأموتُ نصفَ موتة مع الخطأ الفاضح، وأتحاشى أن أرى أحداً ذلك اليوم”.
فهذا الترهّب للكلمة وهذه الكهانة الدائمة والمتواصلة في معبدها، يعزّ علينا اليوم أن نفتقدهما في لبنان وفي دنيا العرب.
ومن هنا وبناء على ما أسلفنا، فمقالاتُ ميشال أبو جودة في عمودِه اليومي وثائقُ تاريخية من قلبِ الحدث، ووسْطَ معمَعته، وتبدو لنا اليوم، كمؤرّخين، أكثر أهمّية، حتى من التقارير الدبلوماسية التي لا يُكشَف عنها وتوضع بمتناول الباحثين إلا بعد مرور ما لا يقلّ عن نصف قرنٍ عليها. وكما أنّه لا يمكن للمؤرّخ أن يتجاوز هذه التقارير أو أن يتغاضى عن العودة إليها مصدراً لبحثه، فهو لا يمكنُه كذلك أن يُسقطَ من حسابه الاستناد إلى عمود أبو جودة ومقالاته اليومية. ومن هنا أهمّية إصدار المجموعة الكاملة لهذه المقالات في سلسلةِ كتبٍ صوناً لها من الضياع، وكذلك تسهيلاً لعمل الباحثين.
وإنّني كباحث وأستاذ جامعي، وبالأخصّ كمؤرّخ أشهدُ بصدقٍ وثقة وصراحة أن ميشال أبو جودة لجديرٌ هو أن نكتبَ عنه ليس أطروحةَ دكتوراه واحدة وحسب، بل أطروحات كمثل “عهد الياس سركيس من خلال عمود أبو جودة”، أو “تجربةُ الرئيس عبدالناصر وأثرُها في لبنان وسوريا كما تنعكس في مقالات أبو جودة”، أو غيرها من مواضيع. وفي سبيل ذلك أدعو إلى تفعيل نشاط لجنة ميشال أبو جودة وتحويلها إلى مؤسّسة ذات منفعة عامّة أو منظّمة غير حكوميّة NGO، وإلى تنظيم مؤتمر يمكن أن يكون سنويّاً يلتقي فيه الباحثون ويدرسون تجربة أبو جودة ومثيلاتها وكيفيّة الإفادة منها في صحافة اليوم. فميشال أبو جودة منارة نهتدي بها، وعَلمٌ يرمز إلى العبقرية اللبنانية، ومسؤوليّتُنا جميعاً أن يبقى مرفوعاً ولا ينكّس {فلا يوقد سراجٌ ويوضع تحت المكيال}. (متى5/15).
دار بيبليون