لويس صليبا/ منسّق المؤتمر، كلمة في افتتاح مؤتمر العلّامة بولس الفغالي وعلوم الأديان والبيبليا 2، بكركي، السبت 24 أيار 2025

لويس صليبا/ منسّق المؤتمر، كلمة في افتتاح مؤتمر العلّامة بولس الفغالي وعلوم الأديان والبيبليا 2، بكركي، السبت 24 أيار 2025

إنه لمن دواعي سرورِنا جميعاً أنه بفضل رعاية صاحب الغبطة البطريرك بشارة الراعي وحضوره، وتضافر جهود المنظّمين والمحاضرين عرف المؤتمر الأوّل “العلّامة بولس الفغالي وعلوم الأديان والبيبليا” نجاحاً ملحوظاً، إن من ناحية الحضور أو المواضيع والمحاضرات أو التفاعل بين المحاضرين والمشاركين. وهذا ما شجّعنا على المضي قُدُماً لجعل هذا المؤتمر تقليداً سنويّاً يكونُ مناسبةً للقاء الباحثين والأساتذة في علوم البيبليا وعلوم الأديان وتاريخ المسيحية في المشرق والحوار المسيحي الإسلامي وعرضِ بحوثِهم وتبادلِ وجهاتِ النظر والتشاورِ واستشراف مستقبل الدراسات في هذه المجالات.

كنّا يوماً قد دعونا العلّامة الفغالي إلى غداءٍ تكريمي على شرفه. وخلاله غمزتُ أحد الأصدقاء كي نتعاون سويّاً لنزركه بسؤالٍ مهمّ، لكنّه محرجٌ إلى حدٍّ ما، وكان أن طرحنا عليه ما يلي: بين كتُبك، وقد جاوز عددُها الثلاثمائة أيّها تعتبرُه الأهمّ؟ وأيّها الأحبُّ إليك؟ فكان جوابُه الأوّل والمباشر: رغم هذا العدد الضخم، فكلّ كتابٍ هو ابن لي، وكلُّها في حبّي لها سواسية. فألحّينا عندها عليه في السؤال مستفسرين: إذاً أيّها الأهمّ برأيك؟

فأطرقَ قليلاً ثم أجاب: لعلَّها القراءة الرعائية، والترجمات البَيسطرية للبيبليا.

وخلال إعدادي لبرنامج هذا المؤتمر السنوي الثاني تذكّرتُ هذه الحادثة، وهذا الجواب، ومنه استوحيتُ موضوع الندوة الأولى. وأعرفُ من تجربتي كباحث الأهمّية الأكاديمية والفيلولوجية والكتابية لهذه الترجمات. ففي كتابي عن النبي إيليا في اليهودية والمسيحية والإسلام، وكذلك في كتابي عن ذبيحةُ يفتاح في التوراة والتلمود والمسيحية والإسلام عُدتُ باستمرار إلى العهد القديم عبري-عربي. وخلال تأليف كتابي الأخير الإنجيل بلغة القرآن كانت الترجمتان يوناني-عربي وسرياني عربي خيرَ معينٍ لي.

فعسى الندوةُ الأولى من مؤتمرنا تسلّط المزيد من الأضواء على إسهام الفغالي الرائد هذا. وقد راعينا في ندواتنا الثلاث، كما في السابق، أن يتوزّع المحاضرون على مختلف الصروح العلمية والأكاديمية في لبنان، وكذلك على مختلف ألوان الطيف اللبناني، دون أن نسمحَ لهذه الاعتبارات أن تمسَّ الطابعَ الأكاديمي والعلمي لهذا الحدث الثقافي.

وفي خضمِّ الإعداد لهذا المؤتمر الثاني طرحَ عليّ صديقٌ السؤال التالي متعجّباً: لِمَ كلُّ هذا الحماس والإلحاح على تكريم عالِمٍ رحل؟ وما الفائدةُ من ذلك؟

وهنا وأثناء إعدادي للدراسة التي سأقدِّمُها في الندوةِ الثالثة وقعتُ على حكمةٍ لمؤرّخٍ عربي قديم ممّن أدرسُ إسهاماته البيبلية، إنّه اليعقوبي، ويقول: “إن لم تكن عالماً فتعلّم، وإن لم تكن حكيماً فتحكّم، فإنّه قلّ ما يتشبَّهُ رجلٌ بقومٍ إلا يوشكُ أن يكونَ منهم”.

فكان هذا القولُ المأثور جوابي، وعسانا باستلهام مسيرة وحكمة العلّامة الفغالي نسيرُ على خطاه.

وتبقى لفتة شكرٍ إلى اثنين يدين لهما هذا المؤتمر بنشأته واستمراره. أعني الصديق ورفيق العلّامة الدائم وطابِعِ مؤلّفاته الأستاذ أنطوان الدكّاش، فهو بدماثتِه ووفائه وطولِ أناتِه قد ساهم في حلّ الكثير من العُقد. وأقصِد أيضاً الدكتور والمدير والفنّان جو خوري رئيس جمعية المونسنيور الفغالي وهو بغيرته ومحبّته المندفع الدائم للحفاظ على تراث خاله ونشره.

وختاماً كان العلّامة الفغالي يردّدُ مراراً على مسامعي: بحسّ دايماً إنّو هوّي عم يهدّيلي إيدي تـ إكتب”. وهذا ما دفعنا إلى اختيار إحدى كلماته شعاراً لمؤتمرنا هذه السنة، وفيها يقول ضارعاً: “أحتاجُ إلى يدِك لكي أبارك، أحتاجُ إلى فمِك لكي أتكلّم، أحتاجُ إلى قلبِك لكي أحبّ”. فعساها تكون أُسوة لنا بحيث نسعى دوماً أن يكونَ عملُنا طيلة اليوم، كتابةً كان أم غير ذلك، امتداداً لصلاة الصباح، وفي جوٍّ من الابتهال المتواصل والتسليم الكامل للمشيئة الإلهية.

شاهد أيضاً

“إخترتُ لبنان لأنه بلد المسيح”، كلمة لويس صليبا في ذكرى الأخت جاكلين PetitJean، دير الميلاد الإلهي، اللقلوق 14 أيلول25

لويس صليبا، “إخترتُ لبنان لأنه بلد المسيح”، كلمة في ذكرى الأخت جاكلين PetitJean، دير الميلاد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *