الإنجيل برواية مسلمي القرنَين 3 و4هـ: نصوص ودروس/محاضرة أ. م. لويس صليبا في مؤتمر العلّامة الفغالي الثاني، بكركي 24 أيار 2025

الإنجيل برواية مسلمي القرنَين 3 و4هـ: نصوص ودروس/محاضرة أ. م. لويس صليبا في مؤتمر العلّامة الفغالي الثاني، بكركي 24 أيار 2025

بولس الفغالي وموقفه من تفسير القرآن

في محاضرةٍ نظّمتُها له في جبيل وموضوعُها “المسيح في القرآن” تساءل العلّامة الفغالي في مستهلّها قائلاً: ألا يحقُّ لي أن أقرأَ النصَّ الإسلامي المقدّس بغضّ النظر عن تفاسيره المتراكمة عبر العصور؟ لا مانع أن أستلهمَ الطبري والقرطبي وغيرهما في مقاربتي للنصّ وفهمه، ولكنّني لستُ مُجبراً ولا مضطرّاً أن ألتزِمَ أو أُلزَمَ بتفاسيرهما له. فتفسير النصّ المقدّس ليس جزءاً من قداسته، ولا هو جزءٌ من وحي النصّ كما يعتقدُ الكثير من مقاربيه التقليديين. ذلك أن فهمَ النصّ وتأويلَه يتطوّرُ بتطوّرِ الأزمنة، وإذا خالفتُ الطبري أو غيره في زمننا الراهن، فليست مخالفتي له بخطيئةٍ ولا هي من الكبائر”.

وددتُ أن أستهلَّ محاضرتي بكلماتٍ للمِلفان الفغالي محفورة في الذاكرة مساهمةً في تبيان منهجيّته الرائدة في مقاربة النصّ المقدّس، وأن أستذكر ما كان يوصيني دائماً به ألا وهو المضيّ قُدُماً في مجال الدراسات الكتابية المقارنة ولا سيما بين البيبليا والقرآن، فهي برأيه علومُ اليوم والغد، والطريقُ نحو حوارٍ مثمر وبنّاء.

الإنجيل في نصوص ابن قتيّبة واليعقوبي

عرَضنا في دراستنا المقدّمة في المؤتمر السابق لإشكالية كثُر فيها النقاش والجدل. ألا وهي الترجمات العربية القديمة للبيبليا عموماً، وهل هي سابقة لظهور النصّ الإسلامي المقدّس أم لاحقة؟

أمّا في محاضرتنا الراهنة فسنعرُضُ وندرسُ ما يُعتبر امتداداً للأولى واستكمالاً لها. وفيها نحلّلُ نماذجَ ممّا وصلَنا من الترجمات العربية القديمة للإنجيل، ونحاولُ أن نستخلِصَ ونستخرِجَ منها معطياتٍ عن زمنها ومكانها وما تحملُه من مؤشّراتٍ عن التفاعل بين المسلمين وأهلِ الكتاب. ومن البديهي أن نلحظَ بدايةً أنّه لا بدّ لنا أن ننتقي ما نراه الأوفر تمثيلاً والأكثر دلالةً في هذا المجال، وبالأخصّ ما لم يسبقْنا آخرون إلى دراسته.

وقد اخترنا أن نعرضَ ونتوسّعَ في تحليل نصوص اثنين من أقدم الكتّاب المسلمين الذين ضمّنوا مؤلّفاتهم نصوصاً معرّبة من الإنجيل والبيبليا عموماً وهما الأديب الموسوعي والإمام والمحدّث ابن قتيبة الدينوري (ت276هـ /889م) والمؤرّخ والجغرافي ابن واضح اليعقوبي (ت284هـ/897م) وكانا معاصرين. وإضافة إلى هذين المؤرّخين، سنعرض أيضاً لنصوص مؤرّخَين آخرَين هما محمد بن جرير الطبري (ت310هـ /923م) وعلي بن الحسين المسعودي (ت345هـ /956م). وقد عاش هؤلاء الأربعة في العصر العبّاسي الثاني الذي اعتُبر العصر الذهبي في الحضارة العربية.

ابن قتيّبة ممثّل التيّار السُنّي

والبداية مع ابن قتيّبة الدينوري، ونزعة ابن قتيّبة السُنّية الواضحة لم تحُلْ دون تبحّره بمعارف عصره من علوم المسلمين وأهل الكتاب، فكان عالِماً موسوعيّاً، ومن أبرز ميّزات ثقافته الموسوعية هذه معرفته بكتب أهل الكتاب، وهي مسألة بالغة الأهمّية بالنسبة لنا، فقد عُرف الدينوري بسعةِ إلمامِه بنصوصِ التوراة والإنجيل.

وسنوردُ في التالي بعض ما جاء في كتابه الموسوعي “المعارف” من استشهادات واقتباسات من الإنجيل:

“وفي الإنجيل: إن الملك الذي خافتْهُ مريم على عيسى هو هرداس. وكان عيسى ولد في بيت لحم يهوذا [وهو بيت بالشام]. فلمّا مات هرداس رأى يوسف في النوم أن يذهب به وبأمّه إلى أرض الخليل [وهو موضع بالشام]، فانطلق فسكن في قريةٍ تدعى: ناصرة، فلذلك قيل لأتباعِ الإنجيل أيضاً: نصارى”([1])

قال أبو محمّد [أي ابن قتيبة]: وقرأتُ في الإنجيل أن عدّة القرون من إبراهيم إلى داود أربعة عشر قرناً، ومن داود إلى جالية بابل أربعة عشر قرناً، ومن جالية بابل إلى المسيح أربعة عشر قرناً”.([2]) (انتهى)

وأدقُّ روايات ابن قتيبة وأصحُّها عن المسيح هي تلك التي تلي قولَه: “وقرأتُ في الإنجيل”. فهو عندها ينقلُ نقلاً أميناً عن ترجمة عربية للإنجيل بين يديه، كمثل ما نقل عن عدد القرون التي تفصل بين إبراهيم ويسوع. بيد أن ابن قتيّبة لا يذكر لنا عن أيّة ترجمةٍ ينقل. وتلك كانت عادةُ القدماء وأسلوبُهم في ذكر الروايات. وقد حرمَتْنا من كثيرٍ من المعطيات البالغة الأهمّية.

ابن قتيّبة يُحلُّ اسم عيسى محلّ يسوع

وثمّة ما يتسوقفُنا في روايات ابن قتيّبة عن الإنجيل. يقول في بعض ما نقلنا عنه: “فيما يُذكر في الإنجيل (…) فتراءى له ملكٌ في النوم فقال إن امرأتَك مريم سوف تلدُ ابناً يسمّى عيسى([3]). وكذلك: “وفي الإنجيل: إن الملك الذي خافتْهُ مريم على عيسى هو هرداس”([4]).

فمن الذي غيّر الاسم “الإنجيلي “يسوع”، ووضع مكانه اسمه “القرآني” “عيسى”؟!

أهو ابنُ قتيبة من فعل ذلك؟ أم أنّه مجرّدُ ناقلٍ أمين عن نصّ لترجمةٍ عربية للإنجيل بين يديه؟ يبقى الاحتمالُ الأوّل هو الأكثر ترجيحاً، والخلاصة فإن روايات ابن قتيّبة عن المسيح في كتابَيه “المعارف” و”عيون الأخبار”([5]) على ضآلتها تقدّمُ لنا نماذجَ واضحة عن أنماطِ الروايات التي ينقلُها عنه هو وبعضُ من عاصرَه أيضاً: بعضُها يختلطُ فيه الأسطوري بالكتابي البيبلي ويسودُه بالتالي الطابَعُ الشعبي، وبعضُه بيبلي أمينٌ للأصل الكتابي ولا سيما ما قرأه ابن قتيّبة بنفسه في الإنجيل المعرّب الذي كان بين يديه، والبعضُ الثالث موقعُه في الوسط بين الصنفَين الآنفَين.

وكتابُ ابن قتيبة الثالث الذي سندرسه في بحثنا هذا هو “أعلام رسول الله المُنزلة”، وينتمي إلى صنفٍ من المؤلّفات والمعارف شهِدَ نموّاً وازدهاراً مطّرداً في الإسلام. إنّه ما سمّي “فنّ أعلام النبوّة” وهو نوعٌ من أنواع التأليف في علم السيرة النبوية، ويُعتبر مصدراً مهمّاً في سيرة رسول الإسلام والدفاع عنه. وهو يتعلّقُ بالأخصّ بما يُعرَف بالبشارات بالرسول في الكتبِ السابقة للإسلام.

أما ابن قتيّبة نفسُه، فيقدّمُ كتابه هذا على أنّه: “كتابٌ أبيّن فيه أعلام رسول الله الباهرة، ودلائلَه الزاهرة من كُتبِ الله المتقدّمة الموجودة في أيدي أهل الكتاب، ومن القرآن”([6]).

وعبارة ابن قتيّبة الأخيرة هذه تُشعر، بل تُظهر، أنّه لا يأخذُ بمقولةِ تحريف التوراة والإنجيل الواردة عند معظم متكلّمي الإسلام، ولا سيما أولئك الذين حاججوا أهلَ الكتاب.

وهي مسألةٌ يجدر التوقّفُ عندها. فقد ذكرَ القرآن أن الكتبَ المقدّسة السابقة زمنيّاً له تضمّنت البشارة بنبوّةِ رسول الإسلام كمثلِ ما جاء في سورة الصفّ61/6: {وإذ قالَ عيسى بنُ مريم يا بني إسرائيل إنّي رسولُ اللهِ إليكم مصدّقاً لما بين بيديَّ من التوراة ومبشّراً برسولٍ يأتي من بعدي اسمه أحمد}/ (انتهى)

فهذا الموقفُ القرآني من التوراة والإنجيل تولّد عنه ما سُمّيَ “تقليد الدراسات الإسلامية التوراتية والإنجيلية”. وقد اجتهدَ ممثلو هذه المدرسة في تبيانِ دعوى القرآن بأن التوراة والإنجيل إنّما بشّرا ببعثةِ رسول الإسلام، أو استعملوا موادَّ ورواياتٍ وآياتٍ بيبلية في جَدَلِهم وحجاجِهم مع أهلِ الكتاب، مقرّين بذلك بالترابط الوثيق بين التقليد الإسلامي والتقليدَين الكتابيّيَن اليهودي والمسيحي. بيد أن المُشكلة الأساسية التي واجهتهم تمثّلت في عائقين أساسيّين: أوّلُهما اعتبار أن شريعة التوراة وكذلك الإنجيل قد نُسِختا بشريعة الكتاب المنزل على رسولِ الإسلام، والثاني مقولةُ تحريف كلٍّ من هذين الكتابين. فكان لا بدّ لابن قتيّبة وغيرِه من القدامى ممّن كتب في “فن أعلام النبوّة” من تخطّي هذَين المحظورين اللذين نسبهُما بعضُهم إلى القرآن، وهذا كان بحدّ ذاته خطوةً حاسمة نحو الحوار ولقاء الآخر.

مصادر ابن قتيّبة البيبلية تبقى مجهولة

لا نعرفُ شيئاً عن المصادر البيبلية التي استندَ إليها ابنُ قتيّبة في كتابه أعلام رسول الله([7])، ولا هو أفصح عن شيءٍ بشأنها. بيد أنّنا، ومن خلال وضع رواياته بموازاة مصدرين: كتاب الدين والدولة لابن ربّن الطبري السابق له([8]) (ت نحو 247هـ/861م)، والترجمة السريانية البسيطة “الفشيطتو”([9]) ومقارنتها بها استطعنا أن نصل إلى بعض النتائج المهمّة ولعلّها غير مسبوقة. وأهمّها التالي:

1-لا ينقلُ ابنُ قتيّبة عن سابقه ابن ربّن الطبري. ولكلٍّ منهما مصادره الخاصّة والمختلفة عن الآخر. وقد لحَظنا الاختلاف في النصّ الإنجيلي العربي بينهما. واختلافُ المنهج والطريقة بين الكاتبَين لا يقلُّ دلالةً وأهمّيةً عن اختلافِ العبارات الإنجيلية المنقولة. فابنُ قتيبة كثيراً ما يلوي عُنُقَ النصّ الإنجيلي أو يتعسّفُ في تفسيره، أو يضيفُ إليه ما ليس منه ليصلَ إلى مبتغاه الجدلي. وذلك إضافةً إلى استخدام الأسماء القرآنية مثل عيسى ويحيى. وهذا ما لم يفعلْه ابن ربّن.

وابنُ قتيّبة في تعاملِه مع الآيات البيبلية وتصرّفِه في تأويلها وتفسيرها يوحي بأنّها كانت قد غدت مألوفة عند المثقّفين العرب. يعودون إليها لمعرفةِ أخبارِ الأوّلين والسابقين من الأنبياء والشعوب. ورغم طابَعِها الجدلي الحجاجي، فتأويلاتُ ابن قتيّبة تحمِلُ بذارَ حوارٍ ديني بنّاء بين المسلمين وأهل الكتاب، ذلك أنّه هو وعددٍ من المعاصرين والتالين، وكما ألمعنا، تخطّى دعوى “التحريف” التي كانت تمنعُ غالبيةَ المسلمين من العودة إلى النصوصِ البيبلية لليهود والمسيحيين، فقرأَ الإنجيلَ والتوراة، وتبحّرَ في معاني الآيات البيبلية ودلالاتها، واجتهدَ في ابتكارِ وابتداع تفاسيرٍ وتأويلات خاصة وجديدة لها تتّفقُ ومعتقدِه. وهذا بحدّ ذاته تفاعلٌ محمودٌ مع الآخر من شأنه أن يكون خطوةً تمهيدية نحو معرفته كما هو ومن خلال نصوصه.

والمؤرّخ والكاتب الثاني من القدماء الذي سننقلُ نصوصَه المستلّة من الأناجيل ونحلّلُها هو ابن واضح اليعقوبي.

اليعقوبي دوّن أدقّ الأخبار عن تاريخ النصارى

أمّا لماذا ندرسُ اليعقوبي تحديداً، ونصوصَه المستلّة من الإنجيل، فلعلّ ما ذكره عنه المستشرق فرانز روزنتال يقدّمُ جواباً وافياً عن هذا السؤال. فعن ميّزات تاريخ اليعقوبي العامّة يقول: “أدقُّ الأخبار عن تاريخ اليهود والنصارى بما فيهم الرومان توجدُ عند اليعقوبي.” ([10])

اليعقوبي يعود إلى الأناجيل خلافاً لـ الطبري والمسعودي

وروزنتال المتخصّصُ في دراسة المؤرّخين المسلمين القدامى يقول مقارناً بين اليعقوبي والمسعودي والطبري وهم أبرزُ وأشهر من كتب في التاريخ العالمي من القدماء: “إن أوّل الأنواع الثلاثة من التواريخ العالمية تاريخ اليعقوبي الذي فُقدت من مقدّمتِه عدّةُ صفحات. وقد خُصّص القسمُ الأوّل من الكتاب لتاريخ ما قبل الإسلام مبتدئاً بقصّة التوراة. ثم يتلو ذلك وصفُ الأناجيل الأربعة. أمّا عن تاريخ العهد القديم والجديد فإنّه لم يكتفِ بالأخبار الإسلامية، بل رجِعَ إلى الكتابات الأصلية، ووصلَ إلى مستوى عالٍ من الدقّة” (روزنتال، م. س، ص184).

أهمّية المصادر البيبلية في تاريخ اليعقوبي

لعلّ تاريخَ اليعقوبي إذن هو أقدمُ ما وصلَنا من الآثار العربية في التاريخ العالمي، وهنا تبرزُ أهمّيتُه. بَيْدَ أن ريادتَه لا تنحصرُ في هذه الأسبقية وحسب، بل تنسحِبُ على ما اتّصف به من دقّة وأمانة، وعدم تعويله على السند والروايات المتناقلة وأكثرُها شفوي ويختلطُ فيها الأسطوري بالتاريخي كما كان شأنُ ابن قتيبة، وكما سيكونُ شأن الطبري كذلك، بل بالحري على مظانّ موثوقة. ففي التاريخ المسيحي مثلاً تميّز اليعقوبي بعودته إلى نصوصٍ معرَّبة للأناجيل. وفي ما يلي مقطعٌ صغير ممّا نقلَه عن الأناجيل ويتناولُ روايةَ صلبِ المسيح وقيامته، وهو موضوعٌ خلافيٌ بامتياز بين روايتَي الإنجيل والقرآن، وبالتالي عقيدتَي المسيحية والإسلام في المسيح، يقول اليعقوبي:

“فأمّا متّى ومَرقس ولوقا فيقولون: وضعوا الخشبة التي صُلب عليها المسيح على عُنق رجلٍ قرناني، وصاروا به إلى موضعٍ يُدعى الجُمجُمة (…)

وصُلب معه اثنان آخران: واحدٌ من هذا الجانب، والآخر من هذا الجانب، وجعلَ أولئك الشُرَط يأخذون إسفنجةً فيها خلّ يقرّبونها إلى أنفِه، فيتكرّهُها، ثمّ أسلمَ روحَه، فجاءوا إلى ذينك المصلوبَين معه، وكسروا سوقهما، وأخذ واحدٌ من الشُرَط حربةً، فطعنه في جنبه، فخرج دمٌ وماء.

ثمّ كلّمَ فيه أحدُ التلاميذ لفيلاطوس، حتى أنزله، وأخذ حنوطاً، ولفّه في ثيابِ كتّانٍ وطيب، فكان في ذلك الموضع جنان، وفيه قبرٌ جديد، فوضعوا المسيح فيه، وكان ذلك يومُ الجمعة.

فلمّا كان يومُ الأحد، فيما يقول النصارى، بكّرت مريم المجدلانية إلى القبر، فلم تجدْه، فجاءت شمعان الصفا وأصحابَه، فأخبرتهم أنّه ليس في القبر، فمضوا فلم يجدوه.

وجاءت مريم ثانيةً إلى القبر، فرأت في القبر رجلين عليهما ثيابُ بياض، فقالا لها: لا تبكي! ثم التفتت خلفها، فرأت المسيح، وكلّمها وقال لها: لا تدنينَّ إليّ لأنّي لم أصعد إلى أبي، ولكن انطلقي إلى إخوتي وقولي لهم إني أصعدُ إلى أبي وأبيكم، وإلهي وإلهكم.

وإنّه لما كان عشيةُ الأحد جاءهم وقال لهم: السلام معكم! كما أرسلني أبي كذلك أرسلكم، وإن غفرتم ذنوبَ أحدٍ فهي مغفورة، فقالوا: هذا الذي يكلّمُنا روحٌ وخيال! قال لهم: أنظروا إلى آثار المسامير بإصبعي وإلى جانبي الأيمن”. (انتهى) ([11])

نلحظ أوّلاً أن ما قام به ابن واضح اليعقوبي عملٌ رائد، بكلّ ما للكلمة من معنى، لم يسبُقْه إليه أحدٌ من المؤرّخين المسلمين، ولا سارَ فيه بَعدَه أحدٌ على خطاه. فقد روى سيرةَ المسيح كما يرويها أتباعُه المسيحيّون، واستناداً إلى مصادِرهم الأساسية أي الأناجيل الأربعة القانونيّة. وسنرى في التالي أن المؤرّخين الذين جاءوا بعد اليعقوبي، وعلى رأسِهم الطبري والمسعودي وغيرهما لم يسيروا على خطاه، بل سردوا سيرةَ المسيح كما جاءت في القرآن والروايات الإسلامية من مأثورات وأحاديث وتقاليد شفويّة. وبذلك كان ابن واضح سبّاقاً إلى معرفةِ الآخر كما يعرف هو نفسه. ولم يكن من السهل على اليعقوبي أن يتجاوزَ عقباتٍ ما استطاع غيرُه أن يتخطّاها، كمِثل ما يكرّره التقليد الإسلامي عن تحريف الأناجيل وما يرويه من سيرة مضادّة ومغايرة للمسيح، ومع ذلك فقد فعل، وإن كان لم يقصّرْ في الإشارة إلى الرواية القرآنية والإسلامية حيث يجب.

وخلافاً للتقليد الإسلامي اعتمدَ اليعقوبي غالباً الأسماء الإنجيلية للمسيح ويوحنا المعمدان. ولاعتماد اليعقوبي غالباً التسمية المسيحية للمسيح ويوحنا على حساب التسمية الإسلامية والقرآنية “عيسى” ويحيى دلالاتٍ مهمّة ليس أقلُّها ما تُظهر من انفتاحٍ وسعي إلى شيءٍ من الحيادِ والموضوعية لا نجدُ لهما أثراً عند غيرِه من قدامى مؤرّخي الإسلام ممّن عاصره أو جاء بعده.

وفي السياقِ الإسلامي نجدُ اليعقوبي يمتنعُ عن استخدام عبارة “الأنبياء الكذّابين” في نقله آية إنجيل متى 7/15، فهو هنا يحرّفُ هذه الآية لتصير: “تحفّظوا من أهل الكذب الذين يُشبهون الذئاب الضارية” (اليعقوبي، م. س، ص1/71) . وذلك منعاً لأيةِ إشارة محتمَلة إلى رسول الإسلام.

وبعدَ أن يذكُرَ اليعقوبي بشيءٍ من التفصيل روايةَ الأناجيل لصَلب المسيح وقيامته من بين الأموات يعودُ ليؤكّد على اختلاف روايات الأناجيل الأربعة في تفاصيلها وانحيازه، بالتالي، إلى جانب الرواية القرآنية فيقول مورداً آيتي سورة النساء4/157-158: “هذا ما يقول أصحابُ الإنجيل، وهم يختلفون في كلّ المعاني. قال الله، عزّ وجلّ، {ما قتلوه وما صلبوه، ولكن شُبّه لهم؛ وإن الذين اختلفوا فيه لفي شكٍّ منه ما لهم به علمٌ إلا اتّباعَ الظنّ؛ وما قتلوه يقيناً بل رفعه الله إليه}. (اليعقوبي، م. س، ص1/79)

وانحيازُ اليعقوبي إلى جانبِ الروايةِ القرآنية الناقضة لرواية الأناجيل أمرٌ متوقّع من مؤرّخٍ مسلم، ولا يمكن أن يُعتبر مأخذاً عليه، حسبُه أنّه ذكر روايات الأناجيل في صَلب المسيحِ وقيامته وهي كلُّها تخالف الرواية القرآنية وتنقضُها. إنها جرأةٌ من جانبه وموضوعيةٌ جديرةٌ بالتنويه. وهذا ما لم يفعله أحدٌ غيره من مؤرّخي الإسلام العرب القدامى كما أسلفنا.

ومنهجيةُ اليعقوبي الحوارية والحيادية هذه لم تنلْ ما تستحقُّ من تنويهٍ واتّباع لا عند القدماء ولا عند المحدثين من مؤرّخي المسلمين، ولا بدّ أن يُعمل مجدّداً على إنصافه وإعادةِ الاعتبار إليه.

ولكن لماذا نسي الناس تاريخَ اليعقوبي، رغم ما حوى من ميّزاتٍ رائدة؟ هل يعودُ ذلك إلى ما نُسب إليه من تشيّع؟ مقابل سُنّية الطبري ومنهجه التقليدي في اعتماد السند؟ قد يكون ذلك أحد الأسباب.

والسيرةُ التي رواها ابن جرير الطبري([12]) في تاريخِه للمسيح ليست في الحقيقة سوى نمطٍ ممّا يُعرف في كتب التفاسير بالإسرائيليّات والنصرانيّات، أيّ أنها تفسيرٌ موسّع للروايات القرآنية عن المسيح. بيد أنّه تفسيرٌ حافلٌ بالأسطوري والعجيب والغريب، وكانت الإسرائيليّات لهذا السبب وغيره من المواضيع التي تستحوذُ على اهتمامِ الناس من عامّةٍ وخاصة ومفكّرين وقرّاء عاديين في ذلك الزمن. ومن هنا نستطيعُ أن نفهمَ اهتمامَ الطبري بالإسرائيليّات التي يحفلُ بها تاريخُه، وكذلك شهرةَ هذا التاريخ وما لقيه من انتشارٍ ورواج على مدى العصور الإسلامية. وذلك مقابل الإهمال والنسيان اللذين عانى منهما تاريخ اليعقوبي.

وآخرُ ما نعرض من نصوص قدامى المؤرّخين المسلمين قسماً من نُبذة المسعودي في سيرة المسيح، يقول([13]): “وقد ذكرَ متى ويوحنّا ومارقُش ولوقا وهم الحواريّون الأربعة الذين نقلوا الإنجيل، وألقوا فيه خبرَ المسيح، وما كان من مولده، وما أتى من المعجزات، وما ناله من اليهود إلى أن رفعه اللهُ إليه، وفي الإنجيل خَطْبٌ طويل في أمرِ المسيح ومريم ويوسف النجّار، أعرضنا عن ذلك لأن الله تعالى لم يُخبِرْ بشيءٍ من ذلك”.([14])

نلاحظُ بوضوحْ أن نُبذةَ المسعودي في سيرة المسيح سقفُها القرآن، وغايتُها هي بالحري شرحُ وتفسير ما جاء فيه من رواياتٍ عن المسيح ليس إلا، أما ما لم يردْ في القرآن، أو ما في الأناجيل ممّا يخالف الرواية القرآنية فلا يهمُّ المسعودي، رغم اطّلاعه عليه. وفي هذه النقطة تحديداً يكمنُ الفرقُ الشاسع بينه وبين زميله وسابقه اليعقوبي.

وهكذا يظهَرُ ابنُ واضح اليعقوبي وكأنّه فعلاً “فلتةُ شوط” مقارنة بزملائه المؤرّخين المسلمين من سابقيه ولاحقيه. وهو يدهشنا حقّاً بحداثته وانفتاحه، ويجعلُنا نعجب ونأسف لِماذا لم يكن أسوة وقُدوة لمن جاء بعدَه من مؤرّخين، فبقي بالحري نسياً منسيّاً، على حدّ قول المستشرق روزنتال، وذلك رغم ما قدّم من إسهاماتٍ في منهج كتابة التاريخ، وكذلك في عرضه للتاريخ العالمي.

فلماذا أُهمل اليعقوبي ونسَتْه الأجيال التالية من المؤرّخين ومن القرّاء؟!

أوّلُ ما يمكنُنا أن ندرجَه في هذا السياق، هو أن عدمَ اهتمامِ اليعقوبي بالإسرائيليّات الحافلة بالأساطير في تاريخه وخلوّ هذا التاريخ منها خُلوّاً شبه تامّ قد انقلب سلباً عليه. أي أن رصانتَه ونقدَه البنّاء للمصادر والروايات أضعفَ الاهتمام بتاريخه.

وفي خلاصة بحثنا المطوّل والذي لم نورد منه سوى نماذج موجزة ومعبّرة، لخّصنا فيها 150ص في عشرةِ صفحات، نقول: قد يشعُرُ القارئ أن الدراسات في مضمارِ الأديان المقارنة وحوارِ الأديان في المجال العربي وفي أرض الإسلام لمّا تزلْ تراوحُ مكانها، أو هي لمّا تصلْ بعدُ إلى ما سبق أن بلغَتْهُ في العصر العبّاسي مع ابن قتيّبة واليعقوبي وآخرين ممّا لم نذكرْ أمثال البيروني وابن كمّونة وغيرهما. ولا نزالُ بحاجةٍ ماسّة إلى مزيدٍ من الدراسات والبحوث، أو بالحري المزيدِ من الانفتاح والحوار والنأي عن الجدل والمفاضلة ممّا لمّا تزل تحفلُ به الكتابات العربية المعاصرة، والحوار واللقاءاتُ المشتركة كمثل هذا المؤتمر خطوةٌ في الطريق الصحيح.

«»«»«»«»«»([15])

[1] -ابن قتيّبة، الإمام أبو محمد عبدالله بن مسلم (213-276هـ/828-889م)، المعارف، تحقيق وتقديم ثروت عُكاشه، القاهرة، مطبعة دار الكتب، ط1، 1960، ص53).

[2] -ابن قتيبة، المعارف، م. س، ص57.

[3] -ابن قتيبة، المعارف، م. س، ص53.

[4] -ابن قتيبة، المعارف، م. س، ص53.

[5] – ابن قتيّبة، أبو محمد عبدالله بن مسلم (213-276هـ)، عيون الأخبار، تحقيق منذر أبو شعر، بيروت، المكتب الإسلامي، ط1، 2008.

[6] – شميدكه، سابين، تلقّي المسلمين للمواد التوراتية: ابن قتيّبة وكتابه أعلام النبوّة، مقالة في مجلّة التفاهم، مسقط، ع37، 2012، ص302، نقلاً عن مخطوطة الكتاب: 127ب: 2-6).

[7] – ابن قتيّبة الدينوري، أبو محمد عبدالله بن مسلم (ت276هـ)، أعلام رسول الله المنزلة على رسله صلّى الله عليهم في التوراة والإنجيل والقرآن وغير ذلك ودلائل نبوّته من البراهين النيّرة والدلائل الواضحة، تحقيق ودراسة محمد بن دليم بن سعد القحطاني، الرياض، دار الصميعي للنشر، ط1، 2020،

[8] – ابن ربّن الطبري، علي، كتاب الدين والدولة في إثبات نبوّة محمد صلّى الله عليه وسلّم، تحقيق ودراسة خالد محمد عبده، مسقط، بيت الغشام للنشر، ط1، 2013،

[9] -الفغالي، الأب د. بولس (إشراف)، العهد الجديد السرياني (فشيطتو) ترجمة بين السطور سرياني-عربي، بيروت، مركز الدراسات والأبحاث المشرقية، ط1، 2010.

[10] -روزنتال، فرانز، علم التاريخ عند المسلمين، ترجمة د. صالح أحمد العلي، بيروت، مؤسّسة الرسالة، ط2، 1983، ص130.

[11] -اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب ابن واضح الكاتب العبّاسي المعروف باليعقوبي (ت284هـ/897م)، تاريخ اليعقوبي، بيروت، دار صادر، ط6، 1995، ج1، ص78-79.

[12] – الطبري، الإمام الفقيه المفسّر المؤرّخ أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري (224-310هـ)، تاريخ الأمم والملوك المعروف بتاريخ الطبري، تحقيق أبو صهيب الكرمي، الأردن، بيت الأفكار الدولية، 2003، ج1، ص216.

[13] – المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين (280-345هـ/893-956م)، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق المستشرق شارل بلا، بيروت، منشورات الجامعة اللبنانية، ط1، 1965، ج1، 69-71.

[14] – هذه الخاتمة للنبذة التي خصّصها المسعودي لسيرة المسيح بالغة الأهمّية والدلالة، فهي تؤكّد أنه اطّلع عن كثب على نصوص الأناجيل الأربعة وهو يسمّيها، ويذكر باقتضاب أبرز مواضيعها. ويبيّن بوضوح أنّه أحجم عن سابق تصوّر وتصميم عن النقل عنها “أعرضنا عن ذلك” لأنها غير مذكورة في القرآن ولتعارضها مع رواياته. فنبذة المسعودي في سيرة المسيح سقفها القرآن، وغايتها هي بالحري شرح وتفسير ما جاء فيه من روايات عن المسيح ليس إلا، أما ما لم يرد في القرآن، أو ما في الأناجيل ممّا يخالف الرواية القرآنية فلا يهم المسعودي. وفي هذه النقطة تحديداً يكمن الفرق الشاسع بينه وبين زميله وسابقه اليعقوبي.

[15]

شاهد أيضاً

“إخترتُ لبنان لأنه بلد المسيح”، كلمة لويس صليبا في ذكرى الأخت جاكلين PetitJean، دير الميلاد الإلهي، اللقلوق 14 أيلول25

لويس صليبا، “إخترتُ لبنان لأنه بلد المسيح”، كلمة في ذكرى الأخت جاكلين PetitJean، دير الميلاد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *