اليوغا والتصّوف الإسلامي والأيورفيدا والطبّ العربي/محاضرة لويس صليبا على Zoom في مؤتمر التقارب المعرفي نحو الطب التكاملي وعلم الأعصاب والتأمل واليوغا والعلاجات الشاملة، الجزائر، السبت 14 حزيران 2025 (نُسخة بلا هوامش)
Conférence de Lwiis Saliba sur Zoom dans le congrès: Convergence des savoirs vers une Médecine Intégrative, Neurosciences, Méditation, Yoga et Thérapies holistiques, Algérie, Samedi 14 Juin 2025
إنه لمن دواعي سروري، بل غِبطتي، أن نلتقيَ اليوم في هذا المؤتمر العلمي المتمحور حول اليوغا والطبّ. ولكم تمنّيتُ أن أكونَ معكم وبينكم أيّها الإخوة الأحبّاء في الجزائر الغالية، وهي من البلدان العربية القليلة التي لم أزر، لكن ظروف تنظيم هذا المؤتمر، وما تخلّلها من عوائق، حالت دون ذلك. فعساه تكونُ لنا لقاءاتٌ مباشرة عن قرب، لا عن بُعد كهذه، وفي مدى منظور. وتحيّة عطِرة من لبنان الجريح، وفلسطين الشهيدة الحيّة، إلى جزائرِ ثورة النصف مليون شهيد، فلا تزالُ قضيةُ الإنسانِ العربي تجمعُنا.
أما بعد، فقد باشرتُ، ومنذ إعدادي أطروحةً للدكتوراه أواخر التسعينات من القرن الماضي، بمشروعٍ فكريّ علميّ يتناولُ دراسةَ العلاقات والتفاعل الوطيد والعريق قِدَماً بين الحضارتَين والثقافتَين الهندية والعربية الإسلامية. والتفاعل العميق هذا يعود في الحقيقة إلى ما قبل الإسلام، وإلى وجودِ جاليات هندية في جزيرة العرب عموماً ولا سيما في مكّة نفسِها، كما بيّنتُ استناداً إلى مصادرَ تاريخية عديدة عربية وهندية.
وهذا المشروع أثمر حتى الآن سلسلتَين من الكتب معظمُها ذو طابعٍ علمي وأكاديمي:
الأولى: سلسلة الأيورفيدا (الطبّ الهندي) واليوغا، وصدرَ ضمنَها سبعةُ كتب منها:
1-موسوعة الأيورفيدا في 675ص
2-الأيورفيدا والطب العربي: أطروحة في 378ص
3-اليوغا والتأمّل وعلم النفس: الأمراض النفسجسدية: الوقاية والعلاج باليوغا والأيورفيدا.
والثانية: سلسلة أديان الهند وأثرها في المشرق وأرض الإسلام، وصدر ضمنها سبعةُ مصنّفات حتى اليوم، من بينها:
1-اليوغا في الإسلام، مع تحقيق وشرح لكتاب باتنجلي الهندي للبيروني في 350ص
2-البوذية تاريخها وتعاليمها وآثارها في المسيحية وأرض الإسلام، في 175ص
ولا يتّسعُ المجالُ، بالطبع، للحديث عن كلِّ كتابٍ من هاتين السلسلتَين، لذا اخترتُ أن أعرضَ، وبإيجاز، لطروحات ومكتشفات كتابٍ واحد من كلٍّ منهما.
فمن سلسلة الأيورفيدا سأتناول كتابي الأطروحة: الأيورفيدا والطبّ العربي: دراسة في الطبّ الهندي وأثرُه في أرض الإسلام.
ومن سلسلة أديان الهند وأثرُها في أرض الإسلام سأعرضُ لكتابِ اليوغا في الإسلام.
والبداية مع كتاب الأيورفيدا والطب العربي.
I – الأطبّاء الهنود في بغداد
في عهد الخليفة هارون الرشيد (170 – 193 ﻫ/786 – 808) شهد التبادل الثقافي العربي الهندي موجةً جديدة من مؤثرات العلوم الهندية، فجاء دور الطب والصيدلة. بعد أن كان دور علم الفلك والأدب في عهد خلافة المنصور (136 – 158 ﻫ/753 – 774 م). وقد سبق وأشرنا في مؤلّفنا ” أقدم كتاب في العالم“ ( ) إلى أن عائلة البرامكة، وزراء هارون الرشيد المشهورين، كانوا من البوذيين الإيرانيين، الذين ارتدُّوا إلى الإسلام.
وكلمة برمك، تعني وفقاً للمستشرق سخّاو Paramaka أي العظيم أو الكبير. وكان أحد أجداد البرامكة كبير موظّفي الشاه الفارسي في مدينة نوبيهار الإيرانية. وقد أرسل البرامكة عدداً من العلماء إلى الهند لدراسة الطب والصيدلة. كما استقدموا عدداً من الأطبّاء والعلماء الهنود إلى بغداد. وتبِعَ ذلك ترجمة عدد من المؤلفات الأساسية في الأيورﭭـيدا إلى العربية.
وأبرز ما وصلنا عن الأيورﭭـيدا في النصوص العربية القديمة، هو العرض الذي قدّمه ابن ربّن الطبري في موسوعته فردوس الحكمة في الطب. وهو أبوالحسن علي بن سهل بن ربّن الطبري. أحد الأطباء المشهورين في العصر العباسي الأول. ولد في مرو من أعمال طبرستان (770م/153 ﻫ). وكان والده على ما يقول هو ”يقوم الطب على صناعة آبائه“. عمل طبيباً للخليفة العباسي المعتصم ومن بعده المتوكّل. وتوفي في بغداد (861م/247ﻫ)
المقالة من جوامع كتب الهند
وما يهمُّنا نحن هنا، هو المقالة التي أفردها علي الطبري لطبِّ الهند في موسوعته الطبّية فردوس الحكمة. وهي آخر مقالة من الكتاب. وقد قسّمها إلى ستة وثلاثين باباً وعنونها: من جوامع كتب الهند. وهذه المقالة، كما أشرنا، ليست فقط أقدم نصّ عربي عن الأيورﭭـيدا وصل إلينا، بل هي النص الجامع الوحيد، أو الأهمّ على الأقل. وتعودُ أهمّيتُها إلى أن علي الطبري لخّصَ في أبوابها الستة والثلاثين مجموعَ علومِ أهل عصره عن الطبّ الهندي.
أصل الأمراض وفقاً لنصّ ابن ربّن
ونتوقّفُ في عرضنا لكتاب ابن ربّن الطبري عند النص الذي يورده في أصل الأسقام والأمراض وأسبابها. يقول:
” قالوا إن الأرض لم تزل في قديم الدهرِ نيّرة، خَصبة، سليمَة، والمهابوت الخمسة معتدلة، يعني المهابوت الطبائع، وجعلوها خمسة بالريح. وكان الناس متحابّين، متوافقين، لا حرصَ فيهم ولا تباغض ولا حسد. ولا غير ذلك ممّا يُسقم الأبدان والنفس. فلما دخل الحسد جاء بعَقَبه الحرص. فلمّا حرصوا احتاجوا إلى الاجتهاد في الجمع. فلما اشتدّ على بعضهم الجمع وسهل على بعض دخلت لذلك الهموم والفِكَر والتعب والنصب والتغالب والحرب والمخادعات والكذب. ففشت الذنوب عند ذلك. وتغيّرت المهابوت. ودخلت الأسقام“ ( )./
لا شك أن هذا النص، على إيجازه، عميقٌ ومؤثّر. ويحتوي لبّ فلسفة الأيورﭭـيدا ونظرتِها في نشوء الأمراض، وظهورها، وتفشّيها. فبما يختصّ بعلّة الأمراض، فالطبري يُصيب هنا جوهر مفهوم الأيورﭭـيدا لسببها. وقد أثبت الطب الحديث ما أكّدته الأيورﭭـيدا منذ آلاف السنين. فالانفعالات السلبية كالحقد والحسد والغيرة، والجشع كلُّها أسبابٌ مباشرة للأمراض. لا بل أكثر من ذلك، فالمشاعر السلبية، كما يلحظ علي الطبري، هي أساس ظهورها على الأرض. وهو يعود فيذكرُ في مكان آخر نظرة الأيورڤيدا لأسباب الأمراض فيقول: «قالوا إن الجهل والحقد والحسد رأس كل مرض( )». وهو يرسم، نقلاً عن مصادر الأيورﭭـيدا، مساراً كرونولوجياً متتابعاً لمراحل ظهور الأسقام. يبدأ بدخول الحسد الذي يولّدُ الحرص (الجشع)، ممّا يؤدّي إلى التسابق على الجمع والامتلاك، والذي يسبّبُ دخولَ الهموم والتعب والنصب والكذب. فتكونُ النتيجة تفشّي الذنوب وتغيّر المهابوت ودخول الأسقام.
فهذه العواطف السلبية هي في أساس ظهور الأمراض. والشفاءُ منها يتطلّب مجهوداً ذاتياً للتخلّص من انفعالات كهذه تُسقم نفسَ الإنسان وبدنَه. إنها حقيقةٌ أساسية ومركزية من حقائق الأيورﭭـيدا، أثبتت الأبحاث العلمية اليوم صحّتَها. والطبري يلخّصها لنا في نصّ يجمعُ البلاغةَ والإيجاز.
والعواطف السلبية هذه لا يقتصر أثرُها على حاملها، بل قد ينتقلُ الأثرُ السلبي وراثياً من الأمّ إلى الطفل في فترة الحمل. يقول الطبري نقلاً عن كتاب جرك (شراكا) : «وقال في كتاب جرك. وذكر أنه قد تكون الأمراض (…) أو لأنها اشتهت في حبَلِها شيئاً لم تَجدْه. أو لأنها حسدت غيرها على شيءٍ لم يكن لها مثلُه، حتى أوجعَ ذلك قلبَها. ويكونُ أيضاً من سوءِ مزاجِ الأبوين” /( )
كما ينقلُ ابن ربّن الطبري عن مصادر الأيورڤيدا الشروط التي يجب توفّرها في متعلّم الطب وممارسه: “فالذي يصلحُ من التلامذة للطب مَن كان حسيناً ذاهناً ويجبُ عليه أن يكون رحيماً جوّاداً رقيقَ الأطراف صبوراً على التعب. تاركاً للهواء والعجب والحسد والشره والكذب والغضب والنميمة والكسل، نظيفاً عفيفاً رفيقاً( )»/ أي باختصار على طالب الطب أن يكون مشروع ”حكيم“.
ويشدّد على وجوبِ الدقّة وسِعة المعرفة في استعمال الأدوية ووصفها: «لأن الدواء يصيرُ في يدِ الجاهل كالسمِّ الذعاف، وذلك أنه إن سُقي منه فوق القدْر أو في غيرِ وقته كان قاتلاً، وربّما كان السُمّ بحكمة الحكيم وحُسن تقديره مثل ماء الحياة، وذلك أنه إذا رقّق قِشرتَه أو خلطَ معه ما يُصلحه كان فيه الشفاء العظيم”/ ( ).
ونكتفي بهذا القدر إيراداً عن الطبري وتعليقاً عليه.
ونصُّ ابنِ ربّن هذا منجمٌ من المعلوماتِ النفيسة. وهو الأثرُ شبهُ الوحيد المتبقّي بين أيدينا عن الأيورڤيدا بالعربية. فكان لا بدَّ أن نتصدّى له تحقيقاً وشرحاً وتعليقاً. ونستخرجَ منه كل ما يمكنُ أن ينبئنا عن الطب الهندي وأثرِه في الطب العربي. وهذا ما قمنا به في الباب الثاني من الكتاب، حيث تفوق التعليقات، والشروحات، والهوامش، غالباً، المتن الأساسي، وذلك بغية توضيح متن ابن ربّن الطبري.
وننتقل إلى الكتاب الثاني الذي سنعرض له بإيجاز في محاضرتنا هذه، وعنوانُه كما ذكرنا: اليوغا في الأسلام، وهو أطروحة جامعية تُحقّق وتشرح كتاب باتنجلي الهندي للأستاذ الرئيس أبي الريحان البيروني (ت440هـ/1048م). ويبدأ هذا الكتاب بطرح أولى إشكاليّاته كما يلي:
اليوغا قديمة وراسخة في الإسلام
هل لليوغا موقعٌ في الإسلام ومكانة؟
قد يعجبُ المرءُ من مجرّدِ طرحِ تساؤلٍ كهذا، ويعتبرُه غريباً وفي غير موضعِه.
فكيف إذا جاء الجوابُ عن الإشكالية العجيبة هذه إيجابياً؟!
قليلون هم أولئك الذين يعرفون أن أوّلَ ترجمة للنصّ المؤسّس لليوغا إلى لغة عالمية كانت الترجمة العربية، وتعود إلى نحو ألف عام من الآن!!
اليوغا هي النظام الرابع من أنظمة الفلسفة الهندية الستة. والكتاب الأساسي لليوغا هو اليوغا سوترا Yoga Sutra للحكيم باتنجلي Patanjali، أما مترجم هذا الكتاب فواحدٌ من أبرز عُلماء الإسلام: الأستاذ الرئيس أبو الريحان البيروني صاحب الموسوعة الشهيرة في الهند وتاريخها وعلومها وأديانها: تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أم مرذولة. وقد بقيت ترجمة البيروني لليوغا سوترا ضائعة زمناً طويلاً، حتى أُعيد اكتشافُها في القرن الماضي، ونُشرت في النصف الثاني منه.
اليوغا سكون الفكر
»وكل المفسّرين القدماء يؤكّدون أن كلمة يوغا في اليوغا سوترا Yoga Sutra من جذر آخر YUJ ويعني إيقاف. وهو ما ينسجم تماماً مع سوترا 1/2 من باتنجلي والقائلة: «اليوغا هي كبح العمليات الفكرية»
وما يهمّنا هو القول إن اليوغا ولا سيما من منظور باتنجلي تعني أساساً منهجاً Methode وطريقة ومجموعة تمارين فكرية وجسدية. إنها مسلكٌ لا عقيدة وسكونُ الفكر واستواؤه
منهج البيروني ودوافعه
ولا يُخفي أبو الريحان دوافعه لتصنيف كتاب باتنجلي، بل يظهرُها بوضوح في المقدمة والخاتمة.
ففي مستهلّ مقدمته يقول: «وعزيمتي، بل نفسي كلُّها، مقصورة على الإفادة، إذ انقَضَتْ عني لذةُ الاستفادة. وأرى ذلك لي من أعظم السعادة».
يتّضحُ من كلام الأستاذ الرئيس أنه كان قد بلغ من العمر عتيّاً عندما باشر بترجمة ك. ب. (انقضت لذة الاستفادة)، ولكن ما يهمّنا من قوله هنا تحديده، ومنذ البداية، غايته من كتابه: الإفادة فهي له من أعظم السعادة. إنه بعيد عن الأغراض الشخصية فكرية كانت أم مادّية، وغايتُه علمية مجرّدة.
ولكن لِمَ كلُّ هذا المجهود في الترجمة؟!
ما كان البيروني يحسبُ أن للهنود هذا التطوّرْ في العلوم كالفلك والحساب وغيرهما. ورأى فيها فائدةً كبرى للعلوم الناشئة عند العرب. ومن هنا انكبابُه على ترجمة العديد من النصوص العلمية الهندية.
بيد أن البيروني، ومع توسّعه في اكتشاف المعارف الهندية، رأى أن للبراهمة باعاً طويلاً في الفلسفة والتصوّف. يقول: «وما زلتُ أنقلُ من الهندي كتب الحساب والمنجّمين، إلى أن أقعَ الآن إلى كتبٍ ممّا يدّخرُه خواصُّهم في الحكمة”/
وفي خاتمة كتاب باتنجلي، يعود البيروني ليوضح دوافع ترجمته: «والذي دعا إلى نقله هو خفاءُ ما يعتقدُه الهندي في مذاهبهم على مَن يحكيها عنهم في الكتب”/
هنا يضعُ الأستاذُ الرئيس الإصبعَ على الجرح، فكل ما حُكي عن عقائد الهند بالعربية قبلَه كلامٌ غيرُ دقيق، بل أقربُ إلى الأساطير، أو كما قال هو في مقدمة كتاب الهند: «أكثرُها هو مسطور في الكتب هو منحول، وبعضُها عن بعض منقولٌ وملقوط مخلوط غيرَ مهذّبْ على رأيهم ولا مشذّبْ/ ( ).
وميّزات ترجمة البيروني لليوغا سوترا وشرحه لها عديدة، وقد تبسّطنا في عرضها وشرحها في الدراسة التي تسبق تحقيق النص، وكذلك في الشروحات والتفاسير العديدة التي وضعناها في هوامشه. ونكتفي هنا بدراسة ما أسميناه “توفيقات البيروني” في ترجمةْ مصطلحاتْ اليوغا إلى العربية. وسنحصُرُ بحثَنا هنا في اثنين منهما.
توفيقات البيروني
الفكر Chitta: النفس
وأبرزُ وأشهر سوترا في كتاب باتنجلي هي تلك التي يحدّد فيها اليوغا: إنها سوترا 1/2: Yoga Chitta Vritti Nirodah اليوغا هي كبحُ العمليات الفكرية.
فأي مرادفٍ عربي استخدم البيروني. للفظة Chitta الذهن أو الفكر. إنه يترجم سوترا 1/2 كالتالي: «قَمْعُ قوى النفس عن التشبّث بغيرك»Chitta هي النفس من منظور أبي الريحان. “والنفْس” واحدة من أبرز مفاهيم التصوّف الإسلامي ومصطلحاته. وأحدُ أهمِّ أهداف هذا الأخير ضبطُ النفس. وهنا تبدو اليوغا والتصوّف متوافقان. ونجدُ عند المتصوّف “أبو طالب المكّي” (ت 386 هـ) الذي سبق الأستاذ الرئيس بزمنٍ قليل تحديداً للنفس وقواها يتطابقُ تطابقاً شبه تام مع سوترا 1/2 لباتنجلي. يقول: «النفسُ مجبولةٌ على الحركة، وقد أُمرت بالسكون، وهو ابتلاؤها لتفتقرَ إلى مولاها، وتبرأُ من حولها وقواها /( ).”
كأن المكّي يترجمُ سوترا باتنجلي. فطبيعةُ الفكر الحركة، إنه الفكر الوثّاب/النطّاط كما تقولُ اليوغا، وأوّلُ أهدافِها ضبطُه وكبحُ عملياته، وهذا تحديداً ما يقولُه أبو طالب: النفسُ دائمة الحركة، ويجب السعي إلى ضبط حركتها وتهدئتها، وهو ما يدعوه البيروني: قمعُ قوى النفس.
ونجدُ عند عبدالكريم الجيلي (ت832 هـ) تحديداً للنفس يصبُّ في الإطار عينه: النفس هي الفكر أو الخاطر، يقول: «النفسُ خاطر، ومن خواطر العقل»( ).
وإذا عدنا إلى سوترا 1/2 كما ترجمها البيروني، فاليوغا تغدو في تحديده السيطرة على الطاقات النفسية والفكرية والسيطرة هذه هي عينُها أبرزُ أهداف التصوّف. من هنا فالبيروني في تحديده لليوغا وللفكر وقواه (أو قوى النفس) لا يمُدُّ جسراً بين اليوغا والتصوّف الإسلامي وحسب، بل يوحّدُ بين أهدافهما، ويغدو النظامان في مفهومه متوازيين تجمعُهما مقاصدُ ومرامي واحدة، وإن اختلفت المناهجُ والطرق.
السيدها Siddha: الزاهد
السيدها Sidha هو اليوغي صاحبُ القدرات الخارقة أو الذي وصل إلى هذا المقام. والقدراتُ الخارقة يخصّصُ لها باتنجلي كامل الفصل الثالث من اليوغا سوترا.
واللافت هنا أن البيروني يسمّي السيدها: الزاهد. ففي كتاب باتنجلي (جواب46): «مَن أراد أن يعاني سرَّ الزهاد الذين اقتدروا على المطالب وغابوا عن الأعين…» .وفي جواب 47: «وذلك أن الزاهد الذي تقدّمَتْ صفتُه»
والتسمية التي اعتمدها البيروني: الزاهد تطرح إشكالية كبرى. فآخرُ ما يفكّرُ به المرء أن يسمّي هذا اليوغي الذي وصل إلى القدرات الخارقة: الزاهد، فهو في الحقيقة ليس بزاهدٍ بتاتاً. فلِمَ أطلق البيروني عليه هذه التسمية؟!
للإجابة، يجب أن نحدّدَ أولاً مَن هو السيدها، يقدّمُ لنا ڤياسا في تفسيره لليوغا سوترا، وتحديداً في شرحه على سوترا 3/51 تعريفاً للسيدها: «فهو الذي وصل إلى القدرات الخارقة وتخلّى عنها»( ).
وحده مَن وصل إلى هذه القدرات يستطيعُ التجرّدَ منها والتخلّيَ عنها، فاليوغي الحقيقي أو السيدها هو الذي وصلَ إلى هذه القدرات وتجاوزها أو تخلّى عنها. ومن هنا سمّاه البيروني الزاهد: فهو يمتلكُ هذه القدرات، وفي الوقتِ عينه يزهَدُ بها. ومَن لم يمتلكْها يبقى في حالةِ رغبةٍ بها وشهوةٍ لها، وإن غيرُ واعية. ويُقدِّم لنا أبو طالب المكّي سابق البيروني الآنف الذكر تعريفاً بالزاهد يؤكّد ما نقول: «ليس الزاهدُ مَن لا يملكُ شيئاً، إنما الزاهد مَن لا يملكُه شيء (…) الزاهد مَن لا يتملّكُ الأشياء ولم يسكنُ إليها/ ( ).”
السيدها/الزاهد إذاً هو مَن يملكُ القدرات ولا تملكُه هي. وهو مَن لا يتملّكُها، تلك هي على الأرجح مقاصد البيروني في استخدام هذه التسمية، وهي تتوافق مع تحديد ڤياسا للسيدها، وهو ما يتوافق مع تحديدات باتنجلي: اليوغي فالسيدها فالجيڤان موكتا Jivan Mukta المتخلّص أو المحرَّر الحيّ أي مَن تخلّص من أوزار الكارما (الأثقال) ووصل إلى الكمال( ).
ويسمّي جمال الدين الشاذلي هذا الأخير: الزاهد المجرّد، يقول: «الزاهد المجرّد استراح من حمل الأثقال”/ ( ).
ما يذكّر بعنوان مصنف البيروني هذا: كتاب باتنجلي الهندي في الخلاص من الأثقال. فاليوغا تُحرّرُ من الأثقال وتخلّصُ منها، وكذلك التصوّف. والطريقان كلاهما يمرّان بالقدرات الخارقة، فهي السيدهيز Siddhis في اليوغا والكرامات في التصوّف. والبيروني يشيرُ إلى هذا الجانب المشترك بل الواحد في النظامين والمسلكين.
السيدها هو الزاهد، لأنه يمتلكُ القدرات ولا يتتبّعُها ولا يهيّجُ الفكر والقلب في طلبها. وقد عرّف الجنيد سلطان العارفين الزهد، فنقل عنه الكلاباندي (ت 380 هـ): «الزهدُ خلوُّ الأيدي من الأملاك، والقلوبْ من التتبّع/ ( ).”
والخلاصة فتسمية السيدها: زاهد خيارٌ ذكي وموفّق من جانب البيروني، وينمُّ عن فهمٍ عميق لهوية السيدها وحقيقتِه وفضائله.
أثر كتاب باتنجلي في التصوّف الإسلامي
ويلفتُنا اهتمامُ أحدُ كبار الصوفيين أي الشيخ أبو عبدالله محمد بن أبي بكر التبريزي بكتاب باتنجلي وتفاعلُه العميق معه، إذ يخبرُنا تلميذُه الصوفي الغضنفر التبريزي (حيّاً 692هـ): «ثمّ لما فرَغَ عن مطالعتِه بعد زمانٍ طويل، فتأوه كالحسير وقد تدمعُ عيناه”./
لقد فهِمَ هذا الشيخُ الصوفي الكبير مضامينَ كتابِ باتنجلي حقَّ الفهم ولخّصها لغضنفر بقوله: «إنما وُضع لخلاصِ النفس عن العلايق البدنية، ونجاتِها عن العالم الجسماني بفنونٍ من الرياضات، وصنوفٍ من العبادات، والتوجّهِ الخالصِ المحض إلى جَنَبَةِ العاليات».
وشهادةُ الشيخ أبو عبدالله التبريزي تُظهرُ الجانبَ العملي/التطبيقي من كتاب باتنجلي. وتبيّنُ أن الصوفي بمقدوره فهم هذا الجانب والإفادة منه في مسلكه وعباداته. إنها بكلمة شهادةُ إكبارٍ وإجلال للتصوّف الهندي أو اليوغا تأتي من جانب متصوّفٍ مسلم أصيل وشيخٍ ذي مريدين وأتباع، ولعلّ شهادةَ هذا الشيخِ الجليل خيرُ ما نختمُ به عرضنا لكتاب صوفي ليس بسهل هو كتاب باتنجلي للبيروني: فهو حيث وصل لاقى اهتماماً وترحاباً وفهماً وتفهّماً لمعانيه، وهذا لوحده دليلٌ على المشتركات العميقة بين المسلكين والنظامين: اليوغا والتصوّف. فالاختبارُ يقرّب، بل يوحّد، وإن كانت العقائد والنظريات تعمل في الاتجاه المعاكس.
والخلاصة، فليست اليوغا وما يسمّونَه في الهند شقيقتَها التوأم أي الأيورفيدا أو الطب الهندي بغريبَين عن التراث الإسلامي، ولا بدخيلَين عليه، بل هما من صُلبه، ويعودان إلى زمن البدايات. وكان علماءُ الإسلام وحكماؤه وفلاسفتُه أمثال ابن ربّن الطبري والبيروني ممّن ذكرنا وأيضاً ابن سينا وابن زكريّا الرازي وغيرهُم سبّاقين إلى الانفتاح على ثقافة الهند، والإفادة من علومها ومبتكراتها ومكتشفاتها في حقول الطب والسيكولوجيا والطبّ النفسجسدي Psychosomatique. وإذا كان هؤلاء الكبار قد شقّوا لنا الطريق، ومنذ أكثر من ألف سنة، فأضعفُ الإيمان أن نواصلَ نحنُ السيرَ فيه في زمنِ العولمة والذكاءِ الاصطناعي والانفتاحِ الحتمي للثقافات على بعضها، وعسانا نتعلّمُ من دروس الأمسِ وعِبره. والسلام عليكم ورحمةُ الله وبركاته.
دار بيبليون