المهندس وجيه يزبك مؤبّناً الراحل طوني قزحيا خوري، كنيسة فرير جبيل، الجمعة 12 حزيران 2026
كلمةٌ ملخصه في جَناز الصَّديقِ طوني خوري
أبتي الجليل، رفاقُ الدراسةِ الأحباء.


طوني قزحيا الخوري (1960-2025)
للأخ بولس أبي رميا، إبراهيم سليمان وطوني مزرعاني وغيرهم ممن رحلوا من الرفاق، في القلبِ لهمُ أشد التقدير والحبِ والشوق، ولكن في كلمتي هذه ما أحببت إلا أن أخُصَ بالذكرِ الرفيق طوني خوري، لأني صاحبته ولداً، رافقته شاباً، وعاشرته مرحلة زمنية طويلة
ها أَنا اليَومَ وَلِلمَرَّةِ الأُولى مُنذُ خَمسينَ عامًا أَعودُ إِلى مَقاعدِ الدِّراسةِ، وأعزُ رَفيقٍ لي ليسَ بِجانِبي، أَعودُ مُفَتِّشًا عَن ذِكرياتٍ، زَرَعتُها بِرِفقَةِ الصَّديقِ طوني خوري، فالذِّكرياتُ، بَخَّرَها الزَّمَنُ ومَحاها بُعدُ السِّنين، أَو رُبَّما رَسَّخَتها العُقودُ في القَلبِ والخاطِرِ.
مِن عَلى مَقعَدٍ دِراسيٍّ تَعَرَّفتُ عليهِ، ومِن عَلى ذَلِكَ المَقعَدِ وُلِدَت صَداقةُ عُمرٍ. زِياراتي الصَّباحيَّةُ إِلى مَنزِلِهِ في جُبَيلَ، وأَكلُ الكَرَزِ عَلى تِلكَ الطَّاوِلَةِ في ذَلِكَ البَيتِ، وَطَّدَتِ الصَّداقةَ. وكيفَ لي أَن أَنسى المَشاويرَ والأَحاديثَ.
مُنْذُ أَيّامي الأُولى في حِمى هٰذا المعهد، وَالصَّديقُ طوني لَيْسَ بِرَفيقِ الدِّراسَةِ فَقَطْ، بَلْ شاطَرَني المَقْعَدَ. وَمِنْ عَلى هٰذِهِ المَقاعِدِ بُذورُ الصَّداقةِ وَالأُخُوَّةِ بَدَأَتْ جُذورُها تَنمو، إِلَى أَنْ نَمَتْ أَرْزَةً في بِلادِ الاغْتِرابِ، وَها اليَوْمَ الأَقْدارُ سَلَخَتْ نِصْفَها، لِأَبْقى عودًا وَحيدًا واقِفًا في عَلَمِ الصَّداقَةِ.
أَربَعونَ عامًا ونَحنُ سَوِيًّا، مِن عَلى المَقْلَبِ الثّاني خَيرُ إِخوَةٍ كُنّا، في كُلِّ المُناسَباتِ المَدَنِيَّةِ والدِّينيَّةِ كانَ مِن أَوائِلِ مَن تَمَنّى لي أَعيادًا مُبارَكَةً، وها هِيَ الأَعيادُ تَأتي وتَرحَلُ، والهاتفُ صامِتٌ، وصَوتُ الصَّديقِ غائِبٌ، فَكَيفَ لي أَن أَطوي سَنَواتِ الصَّداقةِ؟ وكيفَ لي، في رَحيلِهِ، أَن أَنسى التَّمَنِّياتِ والصَّلَواتِ والتَّضَرُّعاتِ.
ها هُوَ اليَومَ نَتَذَكَّرُهُ، مُصَلِّينَ عَلى مَذابِحِ القَداسَةِ، لِكَي يَشفَعَ الرَّبُّ فيهِ، ولكي يَشفَعَ هُوَ فينا. صديقي طوني، دَعني أُخبِرُكَ، ولَعَلَّكَ مِن عَلِيائِكَ الأعلمُ بِأَحوالِنا، وربما أَكثَرُ مِنّا، أَنَّ لُبنانَنا اليَوم كالمَسيحِ قَد صُلِبَ وتَعَذَّبَ، ولٰكِنَّ إيمانَنا كَبيرٌ، أَنَّ تَضَرُّعاتِكُم مِن العَلِياءِ سَيَقومُ بِها الوطنُ مِن بَينِ الأَمواتِ. وَطنٌ في هٰذِهِ الأَيّامِ أَليمٌ، حَزينٌ، مَصلوبٌ، أَتُرى الكُلُّ يَهوذا؟ بِحَفنَةٍ مِنَ المالِ قَد باعَهُ الغَيرُ، أَم أَنَّ الكُلَّ جُنودٌ مِنَ الرُّومانِ يَصلِبونَهُ عَلى عودٍ، أَو حَفنَةُ فِرِّيسِيّينَ نَكَروه، وها هيَ اليومَ قَذائِفُهُم مَساميرٌ، وطائِراتُهُم تاجًا مِنَ الكُرهِ والبُغضِ تُكَلِّلُ رُؤوسَ الجِبال. نَحنُ الشَّرقيّونَ مَشهورونَ “بِالواسطَة”، فَبِاللهِ عَلَيكَ أَيُّها الصَّديقُ، مُتَضَرِّعًا إِلَيكَ، أَن تَطلُبَ مِنَ الرَّبِّ أَن يَتشَفَّعَ في هٰذا الوَطَنِ، لَعَلَّهُ بِواسطَتِكُم يَبلثُمُ الجُروحَ، ويَبسُطُ عَلَينا سَلامًا دائِمًا.
مُنذُ سِتَّةِ أَشهُرٍ غَيَّبَهُ المَوتُ، وما زِلتُ أَستَفيقُ مِن هَولِ الكارِثَةِ والفِراقِ الأَليمِ، غَيرَ مُصَدِّقٍ بِأَنَّ أَعَزَّ صَديقٍ لي قَد رَحَلَ. مِنذُ سِتَّةِ أَشهُرٍ خَسِرتُهُ صَديقًا، لِيَربَحَهُ الفِردَوسُ خَيرَ مُحَدِّثٍ وليكونَ للملائكةِ خيرَ أُمثولةٍ في الصداقة.
أَرْبَعُ سِنينٍ عَلى هٰذِهِ المَقاعِدِ، إِلَى أَرْبَعينِ عامٍ في دُنْيا الاغْتِرابِ، كانَ الأَخُ وَالصَّديقُ وَالرَّفيق.
أَكْتُبُ كَلِماتي هٰذِهِ لا لِأَرْثِيهِ، لَسْتُ بِنادِبٍ أَوْ شاعِرِ مَنابِرَ، بَلْ إِنَّ كَلِمَتي النّابِعَةَ مِنَ القَلْبِ لَعَلَّني بِها أُوفيهِ بِما أَغْدَقَ عَلَيَّ مِنْ صَداقةٍ وَأُخُوَّةٍ.
كَمْ مِنَ المَرّاتِ وَأَشْياءٌ نُقَدِّرُ قيمَتَها مِنْ غَيْرِ أَنْ نُعَبِّرَ عَمّا في القَلْبِ تِجاهَها؟ كَمْ مِنَ المَرّاتِ، وَكَأَفْرادٍ، نَحْنُ قُلْنا لِأَصْدِقاءٍ لَنا أُلوفَ الشُّكْرِ عَلى صَداقَتِهِم؟ بِغِيابِكَ، صَديقي، عَلَّمْني الشُّكْرَ وَالامْتِنانَ. أُلوفُ المَعاذيرِ بِأَنِّي لَمْ أَشْكُرْكَ عَلى صَداقَتِك، وَلٰكِنَّني الآنَ أَعْلَمُ بِأَنَّهُ لا يَمْضي يَوْمٌ إِلّا وَأَنا أَشْكُرُكَ أُلوفَ المَرّاتِ عَلى هٰذِهِ الصَّداقةِ.
سِتُّونَ عامًا وَالاسْمُ مَطْبوعٌ في حَياتي. في سَنَةِ ١٩٧٧ إنْتَهَتْ صُفوفُنا في هٰذا المَعْهَدِ، لِنَبْدَأَ حَياةً جَديدَةً في مَعاهِدَ أُخْرى وَأُخْرى، وَبَقِيَ طوني خوري صَديقًا لي في كُلِّ المَراحِلِ، إِلَى أَنْ حَطَّ بِنا الزَّمَنُ في بِلادِ الاغْتِرابِ.
عِشْنا كُلٌّ في وِلايَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَما بَيْنَ الوِلايَتَيْنِ آلافُ الأَمْيالِ. مَضَتْ حَفْنَةُ أَعْوامٍ إِلّا وَالصَّديقُ طوني قَرَّرَ السَّفَرَ وَالعَيْشَ في نَفْسِ الوِلايَةِ، لا بَلْ في نَفْسِ البِنايَةِ.
مِنْ هُناكَ تَزَوَّجْتُ تارِكًا المَنْزِلَ، كَما وهُوَ أَصَرَّ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِلُبْنانِيَّةٍ، فَغادَرَ إِلَى لُبْنانَ لِيَلْتَقي بِشَريكَةِ حَياتِهِ.
كَمْ مِنْ مَرّاتٍ حَدَّقْتُ بِهاتِفي، مُتَعَلِّقًا بِبَصيصِ أَمَلٍ، عَلَّ رَنينَهُ يَأْتي حامِلًا في طَيّاتِهِ صَوْتَ الصَّديق. اشْتَقْتُ إِلَى الدَّرْدَشاتِ وَالهِتافاتِ، وَها أَنا أَيْنَما كُنْتُ، إِنْ كُنْتُ جالِسًا، أَوْ راكِعًا، أَوْ واقِفًا، وَإِنْ كُنْتُ مُغْمِضَ العَيْنَيْنِ، أَوْ مُتَأَمِّلًا مُصَلِّيًا، فَلا أَرى أَمامي إِلّا ذِكْرياتٍ حَميمَةٍ، وَلا أَسْمَعُ في أُذُني إِلّا ذٰلِكَ الصَّوْتَ الَّذي أَخْرَسَهُ المَوْتُ، لٰكِنَّهُ فَشِلَ من أَنْ يُسْكِتَهُ في أَعْماقي.
كَيْفَ لي أَنْ أُوفيَهُ خَمْسَةً وَخَمْسينَ عامًا مِنَ الصَّداقةِ وَالمَحَبَّةِ الأُخَوِيَّةِ؟ خِفَّةُ ظِلِّهِ كانَتْ تُزيحُ عَنْ وَجْهي عَلاماتِ اليَأْسِ وَالانْكِسارِ. ما رَأَيْتُهُ يَوْمًا إِلّا وَالبَسْمَةُ وَخِفَّةُ الظِّلِّ يَشِعّانِ مِنْ ضلوعهِ. كانَ لِروحي دَواءً، وَلِلهُمومِ طُمَأْنينَةً.
كَيْفَ لي أَنْ أُوفيهُ ما بَعَثَ في داخِلي مِنْ طَهارَةٍ لِلنَّفْسِ وَعُمْقٍ لِلصَّداقة؟
كَيْفَ لي أَنْ أُوفيهُ البَسَماتِ الَّتي زَرَعَها عَلى شَفَتَيَّ، وَدَغْدَغَ بِها أُذُني، وَكُلُّ مَرَّةٍ الْتَقَيْنا كانَتِ اللَّهْفَةُ وَالبَسْمَةُ تُغَلِّفُ اللِّقاءَ.
كَيْفَ لي أَنْ أُوفيهُ الاتِّصالاتِ الهاتِفِيَّةَ الأُسْبوعِيَّةَ، وَالدَّرْدَشاتِ الَّتي لا حُدودَ لَها؟
صَديقُ المَدْرَسَةِ وَرَفيقُ الشَّبابِ، صَداقَتُهُ كَنْزٌ لا يُثَمَّنُ؛ كَنْزٌ لَمْ أَخْسَرْهُ بِرَحيلهِ، بَلْ زادَني تَعَلُّقًا بِصَداقَتِنا وَمَحَبَّتِنا.
عَرَفْتُهُ صَديقًا بِما لِلصَّداقةِ مِنْ مَعْنى، عَرَفْتُهُ أَخًا غَيورًا، وَإِنْسانًا طَموحًا، وَعَرَفْتُهُ الصديقَ الصديقَ.
أَذْكُرُهُ يَوْمًا صَيْفِيًّا مِنْ عامِ ١٩٨٤، وَفي أَوَّلِ زِيارَةٍ لَهُ مِنْ دُنْيا الاغْتِرابِ، حينَ قَرَّرْنا المَضيَّ مَشْيًا نَحُجُّ إِلَى ضَريحِ مار شَرْبَلَ. عَلى رُؤوسِ التِّلالِ مَشَيْنا، وَصَلْنا عَنّايا وَالشَّمْسُ قَارَبَتْ عَلى المَغيبِ، فَكَأَنَّ هٰذِهِ الرِّحْلَةَ عَمَّدَها القِدِّيسُ لِتُرَسِّخَ الصَّداقةَ بَيْنَنا.
هُوَ مَنْ زَرَعَ السَّفَرَ في فكري، حينَ تَسَلَّمْتُ مِنْهُ شَريطًا مُسَجَّلًا وَأَنا ما زِلْتُ شابًّا أَجولُ رُبوعَ قَرْيَتي، وَما هُوَ إِلّا يَوْمٌ وَقَدِ اسْتَلَمْتُ مِنْهُ هَدِيَّةً ثَمينَةً مُتَجَسِّدَةً بِصَوْتِ Neil Diamond:
Hello my friend, hello, come in to America
وَهٰذِهِ الهَدِيَّةُ غَيَّرَتْ حَياتي، وعِنْدَها عَزَمْتُ عَلى الرَّحيلِ، وَما زِلْتُ، وَلِغايَةِ الآنِ، هِيَ مِنْ أَفْضَلِ ما سَمِعْتُ.
مُغْرَمٌ بِالتَّصْويرِ كانَ، وَما زِلْتُ أَذْكُرُ ما قالَ بِأَنَّ كُلَّ الوُجوهِ الَّتي يَنْظُرُ إِلَيْها تَبْتَسِمُ لَهُ لِكَي يَلْتَقِطَ صورَها، وَها هُوَ الآنَ في عَلِيائِهِ تَبْتَسِمُ لَهُ الأَرْواحُ وَالمَلائِكَةُ لِكَي يَلْتَقِطَ صورَهم.
كَيْفَ لي أَنْ أُنْهيَ قِراءَتي، وَما بَيْنَنا لا تُحَدُّهُ سُطورٌ وَلا مُجَلَّداتٌ؟ كَيْفَ لي أَنْ أُجَسِّدَ صَداقةَ نِصْفِ قَرْنٍ بِكَلِماتٍ قَليلَةٍ؟ وَلٰكِنْ ما أَحْبَبْتُ مِنْها إِلّا أَنْ تَكونَ عُرْبونًا صَغيرًا لِما أَكِنُّ لَهُ مِنْ مَحَبَّةٍ عَظيمَةٍ، لا تُمْحى بِالفِراقِ، بَلْ مُتَجَسِّدَةً في داخِلي ما دامَ فيَّ نَبْضٌ وَقَلْبٌ يَخْفُقُ.
صَديقي طوني، غادَرْتَ جَسَدًا، ما زِلْتَ حَيًّا في الخاطِرِ وَالوُجودِ. عَلى أَمَلِ اللِّقاءِ يَوْمًا، وَعَبْرَ الأَثيرِ البَعيدِ أُرْسِلُ إِلَيْكَ القُبَلَ، فَبِاللهِ عَلَيْكَ أَصْغِ، وَاسْمَعْ دَقّاتِ قَلْبي صارِخَةً، مُشْتاقَةً إِلَيْك.
وجيه يزبك
دار بيبليون