كمال جنبلاط كما لم تعرفه: اليوغي الذي قاد سياسة لبنان، قراءة في كتاب لويس صليبا: جنبلاط اليوغي بقلم فاروق غانم خدّاج، 13 /1 /2026

كمال جنبلاط كما لم تعرفه: اليوغي الذي قاد سياسة لبنان، قراءة في كتاب لويس صليبا: جنبلاط اليوغي بقلم فاروق غانم خدّاج، 13 /1 /2026
13 كانون الثاني 2026

خاص الأنباء، د. فاروق غانم خدّاج

https://anbaaonline.com/news/312327

الكاتب فاروق غانم خدّاج

تتوالى القراءات التي تحاول مقاربة الشخصيات الكبرى في التاريخ اللبناني من زوايا سياسية أو أيديولوجية ضيقة، فيما تبقى الأبعاد الفكرية والروحية، التي غالبًا ما تكون المحرّك الأعمق للسلوك العام، في هامش السرديات السائدة. من هنا تبرز أهمية كتاب البروفسور لويس صليبا «حوار الهندوسية والإسلام والمسيحية: جنبلاط اليوغي وعلاقته بنعيمة والحايك»، الصادر عن دار ومكتبة بيبليون – جبيل (الطبعة الأولى 2019، والطبعة الثانية 2020)، في نحو 500 صفحة، بوصفه محاولة جادة لإعادة تركيب صورة كمال جنبلاط خارج القوالب السياسية الجاهزة.

لا يتعامل صليبا مع جنبلاط (1917–1977) بوصفه زعيمًا سياسيًا فحسب، بل يقدّمه مفكرًا وروحيًا، بل “يوغيًا” بالمعنى الفلسفي العميق للكلمة. هذه المقاربة لا تنفي السياسة عن جنبلاط، لكنها تعيد وضعها في سياق أوسع، يرى الفعل السياسي امتدادًا لتجربة داخلية وروحية، لا مجرد استجابة ظرفية للصراع أو السلطة. هنا تكمن فرادة الكتاب: إنه لا يضيف معلومة، بل يغيّر زاوية النظر.

يركّز صليبا على علاقة جنبلاط بالفلسفة الهندوسية واليوغا، بوصفها مسارًا معرفيًا وروحيًا متكاملًا، لا ممارسة جسدية أو موضة ثقافية عابرة. فاليوغا، في هذا السياق، هي تأمل في الوجود، وانضباط للذات، وسعي إلى وعي يتجاوز الانقسام بين الداخل والخارج، وبين الفرد والمجتمع. من هذا المنظور، يصبح جنبلاط السياسي انعكاسًا لجنبلاط الباحث عن العدالة الكونية، لا العكس.

ويكتسب هذا الطرح أهمية خاصة إذا ما وضع في سياق لبنان منتصف القرن العشرين، حيث لم تكن اليوغا ولا الفلسفات الشرقية قد دخلت الوعي العام. كان جنبلاط، كما يظهر في الكتاب، من أوائل من فتحوا هذا الأفق المعرفي، سواء عبر محاضراته أو كتاباته أو علاقاته الفكرية، ما يجعله حالة استثنائية في الفكر العربي، لا مجرد زعيم محلي.

لا يتوقف الكتاب عند جنبلاط وحده، بل يوسّع الدائرة لتشمل علاقتَه الفكرية والإنسانية بشخصيتين محوريتين في الفكر اللبناني الحديث: ميخائيل نعيمة، الكاتب والفيلسوف المسيحي المتأثر بالفلسفات الشرقية، والمونسنيور ميشال الحايك، اللاهوتي والمفكر الذي لعب دورًا أساسيًا في الحوار المسيحي–الإسلامي. يشكّل هؤلاء الثلاثة، كما يقدّمهم صليبا، مثلثًا فكريًا وروحيًا نادرًا، أرسى أسس حوار عميق بين الديانات والثقافات، في بلد كان يُفترض به أن يكون أرض لقاء لا ساحة صراع.

تكمن أهمية هذا المثلث في أنه لم يكن حوارًا نظريًا معزولًا، بل تجربة حيّة تجلّت في نصوص ومراسلات ومواقف فكرية متبادلة. يجمع الكتاب هذه المواد ويحلّلها، كاشفًا كيف ناقش نعيمة شعر جنبلاط وفلسفته، وكيف كتب جنبلاط عن الحايك ولاهوته المشرقي، وكيف التقت رؤاهم حول الإنسان والعدالة والمعنى، رغم اختلاف المرجعيات الدينية.

من هنا، يقدّم صليبا فكرة محورية: الحوار الحقيقي ليس أداة سياسية ولا شعارًا أخلاقيًا، بل منهج حياة ينبع من عمق روحي ومعرفي. وهذا ما يجعل تجربة جنبلاط ونعيمة والحايك ذات راهنية اليوم، في زمن يتراجع فيه الحوار لصالح العنف والانقسام. فلبنان، كما يوحي الكتاب، لم يُبنَ على الحرب، بل على قابلية التلاقي، فيما كان العنف دائمًا استثناءً طارئًا.

يبقى السؤال المفتوح الذي تطرحه هذه القراءة: إلى أي حد يمكن للبعد الروحي أن يفسّر قرارات جنبلاط السياسية، ولا سيما في المراحل الأكثر تعقيدًا من الحرب الأهلية؟ لا يدّعي الكتاب تقديم إجابة شاملة، لكنه يقدّم مفتاحًا لفهم المنطق الداخلي الذي حكم خيارات الرجل، حتى عندما بدت متناقضة أو إشكالية. إنها محاولة لفهم الإنسان قبل محاكمته سياسيًا.

منهجيًا، يعتمد صليبا على مقاربة بيوغرافية فكرية، مستندًا إلى نصوص أصلية وشهادات موثقة، بعيدًا عن الإسقاط أو التقديس. وهذا ما يمنح العمل مصداقية أكاديمية، ويجعله مساهمة حقيقية في دراسة الفكر اللبناني، لا مجرد كتاب احتفائي أو سيرة تقليدية.

في المحصلة، لا يقدّم كتاب «جنبلاط اليوغي» قراءة لشخصية تاريخية فحسب، بل يضع القارئ أمام سؤال أوسع: كيف نقرأ رموزنا؟ وهل نكتفي بصورهم السياسية، أم نجرؤ على الغوص في طبقاتهم الفكرية والروحية؟ في هذا المعنى، يصبح جنبلاط مرآة للبنان نفسه: بلد ممزّق بين عنف الواقع وإمكانية الحوار، بين السياسة بوصفها صراعًا، والفكر بوصفه بحثًا عن معنى.

بهذه القراءة، لا يستعاد بُعد مهمل من سيرة رجل، بل تُستعاد إمكانية مفقودة في تاريخ وطن.

*كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني

 

https://anbaaonline.com/news/312327

شاهد أيضاً

البوذية بالعربية: لويس صليبا يفتح نافذتين على نور بوذا… قراءة جديدة بين التاريخ والتأمل في تجربة بوذا، بقلم فاروق غانم خدّاج

البوذية بالعربية: لويس صليبا يفتح نافذتين على نور بوذا… قراءة جديدة بين التاريخ والتأمل في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *